
الأحزاب السياسية تحت الرقابة المالية: قراءة في تقرير ديوان المحاسبة 2024
كانون الثاني/ يناير 2026
أصدر ديوان المحاسبة تقريره السنوي الثالث والسبعين لعام 2024، متضمّناً فصلاً خاصاً بتدقيق الأوضاع المالية للأحزاب السياسية، وشمل التقرير تدقيق الحسابات والقيود المالية لـ(35) حزباً سياسياً، وقد سُجّلت ملاحظات مالية على (29) حزبًا، مقابل خلو سجلات (6) أحزاب من أي ملاحظة.
وقد تناولت الملاحظات محاور متعددة، شملت أوجه الإنفاق، والرواتب والأجور، والالتزام بالضمان الاجتماعي، والإيداعات البنكية والتبرعات، وعقود الإيجار، وآليات صرف الرواتب والمكافآت، ما أثار نقاشاً عاماً حول مدى التزام الأحزاب بالمعايير القانونية والمالية وبالممارسات العالمية الفضلى. خصوصاً مع إعلان الهيئة المستقلة للانتخاب اتخاذ إجراءات قانونية لحل حزبين تخلفا عن تقديم الميزانيات المالية السنوية ضمن المدد القانونية.
يسعى هذا التقرير إلى تقديم قراءة للإطار القانوني للرقابة المالية من قبل ديوان المحاسبة، وطبيعة المخالفات المسجلة، ومواقف الهيئة المستقلة والأحزاب المعنية مما ورد بالتقرير.
أولاً: الإطار القانوني للرقابة المالية على الأحزاب
تتمتع الهيئة المستقلة للانتخاب، بموجب قانون الأحزاب السياسية رقم (7) لسنة 2022، بصلاحيات رقابية على الأحزاب السياسية، تشمل متابعة التزامها بالأحكام القانونية والمالية، إذ تنص المادة (29/أ) من القانون على أن لمجلس مفوضي الهيئة أو من يفوضه حق الاطلاع على حسابات الحزب وتدقيق قيوده المالية وإعداد تقرير بذلك، على أن تُرسل نسخة منه إلى أمين سجل الأحزاب، فيما أجازت المادة (29/ب) أن يكون المفوض بالتدقيق، محاسباً قانونياً أو مندوباً عن ديوان المحاسبة. وبناءً على هذه الصلاحيات، قامت الهيئة المستقلة للانتخاب بتفويض ديوان المحاسبة لتدقيق الحسابات المالية للأحزاب السياسية، وذلك في إطار التنسيق المؤسسي لضمان سلامة الإنفاق الحزبي، والالتزام بأحكام القوانين والأنظمة والتعليمات ذات العلاقة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حال ثبوت أي مخالفات، بما في ذلك وقف التمويل أو الإحالة إلى القضاء.
ثانياً: آليات الرقابة المالية في قانون الأحزاب ونظام المساهمة المالية
نظّم قانون الأحزاب السياسية ونظام المساهمة المالية الإطار القانوني الناظم للشؤون المالية للأحزاب السياسية، من خلال جملة من الالتزامات الصارمة التي تتعلق بمصادر التمويل وأوجه الإنفاق وآليات الرقابة، فقد اشترط القانون في (المادة 24/أ) أن تكون موارد الأحزاب من مصادر أردنية مشروعة ومعلنة ومحددة، كما ومنع في (المادة 24/ج) تلقي أي تمويل أو تبرعات من مصادر غير أردنية أو مجهولة أو من جهات رسمية أو عامة أو شركات تمتلك الحكومة ما نسبته (51%) فأكثر من أسهمها. كما قيّد القانون أوجه إنفاق أموال الحزب بحصرها في الأهداف والغايات الواردة في نظامه الأساسي، ومنع استثمارها في أي نشاط تجاري أو اقتصادي، مع اعتبار أموال الحزب بحكم الأموال العامة لغايات المسؤولية الجزائية وفقاً للمادة (25/د).
وفيما يتعلق بالرقابة المالية، أوجب القانون في (المادة 28/أ) على الحزب تعيين محاسب قانوني لتدقيق حساباته وبياناته المالية وتقديم تقرير سنوي، إضافة إلى إلزامه بموجب (المادة 7/و) بإرسال الميزانية السنوية والبيانات المالية الختامية المصدّقة خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من انتهاء السنة المالية، مرفقة ببيان تفصيلي بالموارد المالية وكشف بجميع التبرعات والهبات والوصايا، وهو ما يشكّل نصاً صريحاً على وجوب تقديم الحسابات الختامية ضمن منظومة الإفصاح المالي.
ثالثاً: حق الجمهور في المعلومة
أولى قانون الأحزاب السياسية ونظام المساهمة المالية أهمية خاصة لمبدأ الشفافية والإفصاح المالي باعتباره أحد أعمدة الرقابة على العمل الحزبي. ولم يقتصر الإلزام على تقديم البيانات المالية للجهات الرقابية، بل امتد إلى النشر العلني، حيث أوجب نظام المساهمة المالية على الأحزاب نشر موازناتها وبياناتها المالية المصادق عليها على مواقعها الإلكترونية، كما ألزم الهيئة المستقلة للانتخاب بنشر هذه البيانات من خلال منصة الأحزاب التابعة لها، ما يتيح اطلاع الرأي العام عليها، وفقاً لأحكام المادة (8)، ويكرّس مبدأ الرقابة المجتمعية.
رابعاً: مخالفات الأحزاب المالية الواردة في تقرير ديوان المحاسبة
كشف تقرير ديوان المحاسبة عن مجموعة من المخالفات المالية التي سُجّلت على (29) حزبًا سياسيًا، أبرزها:
- عدم إيداع أموال الأحزاب، بما فيها التبرعات، في البنوك الأردنية، خلافًا لأحكام قانون الأحزاب السياسية.
- عدم إشراك بعض موظفي الأحزاب في مؤسسة الضمان الاجتماعي.
- وجود عقود إيجار لمقرات بعض الأحزاب غير مصدّقة من البلديات المختصة.
- تلقي تبرعات نقدية تزيد على (5,000) دينار، بدل أن تقدم بموجب شيكات مسحوبة على بنوك أردنية.
- صرف رواتب ومكافآت لأعضاء في الأمانة العامة أو القيادات التنفيذية دون وجود نص صريح في النظام الأساسي يجيز ذلك.
خامساً: موقف الهيئة المستقلة للانتخاب
أصدرت الهيئة المستقلة للانتخاب بياناً توضيحياً أكدت فيه أن التدقيق المالي الذي أجراه ديوان المحاسبة تم بناءً على طلب رسمي منها، استناداً إلى أحكام المادة (29) من قانون الأحزاب السياسية. وأوضحت أن جميع الملاحظات الواردة في التقرير جرى التعامل معها وفقاً لأحكام القانون والأنظمة والتعليمات ذات العلاقة، مع اتخاذ الإجراءات المناسبة بحسب طبيعة كل حالة. وفي الحالات التي تلقت فيها أحزاب دعماً مالياً من الموازنة العامة وظهرت بحقها ملاحظات مالية، قامت الهيئة بإيقاف التمويل إلى حين تصويب أوضاعها أصولياً. كما أقدم مجلس مفوضي الهيئة على إقامة دعاوى قضائية مطالباً بحل حزبين، (الحزب العربي الديمقراطي، وحزب الغد الأردني) كما اشارت مصادر مطلعة، وذلك لعدم التزامهما بتقديم الميزانيات المالية السنوية ضمن المدد المحددة، والإجراءات القانونية المقررة، وانقضاء المهَل القانونية دون تصويب أوضاعهما، ولا تزال هذه القضايا منظورة أمام القضاء المختص. وبيّنت الهيئة أن الغالبية العظمى من الأحزاب السياسية كانت ملتزمة بالأحكام التشريعية، وأن عدداً محدوداً من الأحزاب سجّلت بحقها حالات عدم التزام، إلا أن بعضها قام بتصويب أوضاعه قبل صدور تقرير ديوان المحاسبة.
وفي سياق متصل، أوضح أمين سجل الأحزاب، السيد أحمد أبو زيد، في تصريحات خاصة، أن ما يصدر عن ديوان المحاسبة يندرج في إطار ملاحظات رقابية تأخذها الهيئة المستقلة للانتخاب بعين الاعتبار عند تقييم الأوضاع المالية للأحزاب واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها. وبشأن الملاحظة المتعلقة بعدم إيداع أموال أحد الأحزاب في البنوك الأردنية، أشار إلى أن الحزب المعني كانت قد رُفعت عليه دعوى قضائية من أحد أعضائه، وصدر قرار قضائي يقضي بإيقاف حسابه البنكي، الأمر الذي حال دون إمكانية السحب أو الإيداع، مبيناً أن الحزب زوّد الهيئة بقرار المحكمة والمستندات الرسمية التي تثبت ذلك. وفيما يتعلق بملاحظة عدم إشراك موظفين في الضمان الاجتماعي، أوضح أبو زيد أن الحزب المعني يضم ثلاثة أشخاص، اثنين منهم تجاوزا سن الستين وهما من المتقاعدين، فيما يتقاضى الشخص الثالث مكافآت مالية وليست أجوراً وظيفية ثابتة، بما لا يندرج ضمن مفهوم التوظيف الدائم الخاضع للضمان الاجتماعي.
أما بخصوص المخالفات المتعلقة بعقود إيجار مقار الأحزاب، فقد بيّن أن أربعة أحزاب لم تكن عقود إيجار فروعها مصدقة من البلديات المختصة، بسبب كون العقارات مستأجرة من ملاك لم يقوموا بدفع ما يترتب عليهم من رسوم بلدية (المسقفات). وفيما يخص الملاحظات المرتبطة بالتبرعات النقدية، أوضح أن الإشكالية تمثلت في تسجيل أسماء المتبرعين بأسماء ثنائية فقط، وليس رباعية وفقاّ للمقتصى، قبل أن تقوم الأحزاب المعنية لاحقاً بتزويد الهيئة بأسماء المتبرعين كاملة وأرقامهم الوطنية، بما يحقق متطلبات الإفصاح المنصوص عليها قانوناً.
سادسًا: مواقف الأحزاب المحالة إلى القضاء
أثار قرار مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب بإحالة حزبي الحزب العربي الديمقراطي وحزب الغد الأردني إلى القضاء، على خلفية عدم الالتزام بتقديم الميزانيات المالية السنوية ضمن المدد القانونية، بعض الجدل في الأوساط السياسية والحزبية، وفي هذا السياق، أكّد الأمينان العامان للحزبين أن ميزانيات أحزابهم صفرية، وأن أسباب الإحالة لا تعود إلى مخالفات مالية جوهرية أو إساءة استخدام للتمويل العام.
حزب الغد الأردني
عند التواصل مع الأمين العام لحزب الغد الأردني، الدكتور محمد رمضان، أوضح أن جذور القضية تعود إلى ما بعد الانتخابات النيابية لعام 2024، حيث اتخذ الحزب قراراً بحل المكتب التنفيذي عقب إعلان النتائج. وبيّن أن رئيس المكتب التنفيذي السابق رفض تسليم الوثائق الرسمية للحزب، الأمر الذي حال دون استكمال الإجراءات التنظيمية والمالية المطلوبة. وأشار رمضان إلى أن الهيئة المستقلة للانتخاب رفضت استلام موعد عقد مؤتمر عام لانتخاب مكتب تنفيذي جديد، مشترطة تعديل النظام الأساسي للحزب، وهو ما أدخل الحزب في سلسلة من الإجراءات البيروقراطية التي عطلت انتظام عمله التنظيمي، بما في ذلك استكمال متطلبات تقديم الميزانية. مشيراً في هذا السياق أن حزب الغد الأردني كان من بين الأحزاب الستة التي خلت سجلاتها من أي ملاحظات مالية وفق تقرير ديوان المحاسبة، ما يعكس سلامة وضعه المالي وعدم وجود مخالفات جوهرية.
وفيما يتعلق بالمسار القضائي، أوضح أن القضية نُظرت أمام محكمة بداية عمّان وصدر حكم لصالح الحزب، إلا أن الهيئة المستقلة للانتخاب قامت باستئناف القرار، ما أدى إلى نقض الحكم. وعلى إثر ذلك، لجأ الحزب إلى محكمة التمييز، ولا تزال القضية منظورة أمامها حتى تاريخه.
الحزب العربي الديمقراطي
من جانبه، بيّن الأمين العام للحزب العربي الديمقراطي، الدكتور عثمان السواعي، أن سبب تأخر الحزب في تقديم ميزانيته السنوية لا يعود إلى وجود مخالفات مالية، وإنما إلى رفض الهيئة المستقلة للانتخاب استلام الميزانية دون تزويدها ببيانات تفصيلية عن أعضاء الحزب، تشمل المهن، والأرقام الوطنية، وأماكن السكن، وغيرها من المعلومات. وأشار السواعي إلى أن استكمال هذه البيانات استغرق وقتاً طويلاً، ما أدى إلى تجاوز المدد القانونية المحددة لتقديم الميزانية. وعلى المستوى القضائي، أوضح أن الحزب خسر الدعوى أمام محكمة بداية عمّان، إلا أنه قام باستئناف القرار، ولا تزال القضية منظورة أمام محكمة الاستئناف حتى الآن.
وفي تقييمه القانوني، يرى السواعي أن التخلف عن تقديم الميزانية، في حال عدم اقترانه بمخالفات مالية جوهرية، لا يُعد سبباً كافياً لحل الحزب، معتبراً أن هذه المسألة من المواد التي تحتاج إلى مراجعة وتعديل تشريعي، بما يحقق التوازن بين متطلبات الرقابة القانونية وضمان استمرارية العمل الحزبي.
خلاصة
شهدت منظومة الرقابة المالية على الأحزاب السياسية في الأردن تطوراً ملحوظاً من حيث الانتظام والوضوح والشفافية، مستندة إلى إطار قانوني يهدف إلى تحقيق التوازن بين الرقابة والمساءلة من جهة، واستمرارية العمل الحزبي من جهة أخرى. وقد بيّن تقرير ديوان المحاسبة لعام 2024 أن التدقيق لم يقتصر على الجوانب المالية البحتة، بل امتد ليشمل الجوانب الإجرائية والتنظيمية للإنفاق، مع تسجيل ملاحظات كان معظمها ذا طابع إجرائي وتنظيمي مثل (مثل آليات الإيداع البنكي، استكمال متطلبات الضمان الاجتماعي، توثيق عقود الإيجار، أو استيفاء شروط الإفصاح عن التبرعات)، دون أن ترقى في غالبيتها إلى مستوى المخالفات المالية الجسيمة، أو فساد مالي ممنهج.
وفي المقابل، عكست إجراءات الهيئة المستقلة للانتخاب نهجاً قائماً على التدرج في التعامل مع المخالفات، من خلال إتاحة فرص لتصويب الأوضاع ووقف التمويل العام عند الاقتضاء، واللجوء إلى القضاء فقط في حالات عدم الالتزام الجسيم، ولا سيما التخلف عن تقديم الميزانيات السنوية ضمن المدد القانونية، كما في حالتي الحزب العربي الديمقراطي وحزب الغد الأردني. وبذلك، أسهم التقرير في تعزيز الشفافية والإفصاح المالي، وأكد الدور التنظيمي والرقابي للهيئة.
وفي هذا السياق، تبرز إحالة حزبي العربي الديمقراطي والغد الأردني إلى القضاء باعتبارها إجراءً قانونياً مرتبطاً بمخالفة شكلية جوهرها عدم الالتزام بالإجراءات الزمنية، وليس بالضرورة وجود مخالفات مالية كبيرة، وهو ما يستوجب، بنظر البعض، فتح النقاش مجدداً حول الحاجة إلى مراجعة بعض النصوص التشريعية، بما يحقق التوازن بين الصرامة الرقابية وضمان عدم إضعاف الحياة الحزبية لأسباب إجرائية قابلة للمعالجة.