
عقد حزب الأمّة (حزب جبهة العمل الإسلامي سابقاً) مؤتمره السابع، بتاريخ 19 أيلول 2026، وهو المؤتمر الأول بعد تغيير اسمه في مؤتمر استثنائي عُقد في نيسان الماضي امتثالاً لقانون الأحزاب السياسية رقم (7) لسنة 2022، والذي لا يُجيز تأسيس الأحزاب على أسس دينية أو طائفية أو عرقية أو فئوية (المادة 5/أ).[1]
أبرز نتائج المؤتمر تمثّلت أولاً في انتخاب أمين عام جديد للحزب من الجيل القيادي الأصغر سنّاً، هو مُعاذ الخوالدة (41 سنة)، وهو الأمين العام التاسع للحزب منذ تأسيسه أواخر عام 1992. ويُصنف الخوالدة بحسب المراقبين كأحد رموز تيار الاعتدال والمرونة، فيما يُصنّف منافسه أحمد القطاونة، عضو مجلس النواب الأردني باعتباره من رموز تيار الصقور في الحزب.
عملية انتخاب الأمين العام كشفت بوضوح عن عملية الاستقطاب الداخلي بين ما يُعرف تاريخياً بتيّاري الصقور والحمائم، فقد حاز الخوالدة على 382 صوتاً، مقابل 369 صوتاً لمنافسه أحمد القطاونة، أي بفارق 13 صوتاً فقط في الجولة الأولى من التصويت.
بهذا، فقد استدعت نتائج الجولة الأولى، إجراء حولة إعادة، لأن الفوز من الجولة الأولى، يقتضي بحسب النظام الأساسي للحزب الحصول على الأغلبية المطلقة (النصف + 1) من أعضاء المؤتمر، أما في جولة الإعادة التي تقتصر على المترشحين الاثنين صاحبي أعلى الأصوات، فيفوز بالمنصب المترشح الحاصل على أغلبية الأصوات. وعليه فقد اختار القطاونة الانسحاب.
لقد سعى زملاء للقطاونة من أعضاء مجلس النواب، تحميل انسحاب زميلهم دلالة سياسية إيجابية بدعوى أحقيته بجولة تصويت ثانية، رغم أن آلية الانتخاب لا تمنح هذه الخطوة من الزاوية الفنيّة سوى دلالة رمزية، ما دام أن الفوز النهائي لا يستلزم الحصول على الأغلبية المطلقة، فتضطرّ عندئذٍ نسبة من أعضاء المؤتمر تغيير تصويتها.
إن تسليط الضوء على نتائج عملية التصويت لانتخاب الأمين العام، تكتسب أهميتها من كونها تؤشر ليس إلى حالة الاستقطاب الداخلي فحسب، بل تشير أيضاً إلى مستوى متقدم من توازن القوى السياسي في الحزب. وبحسب تصريح لعضو مجلس الشورى المنتخب، ينال فريحات، عضو مجلس النواب الأردني، فإن التصويت لم يكن محكوماً بالاصطفافات والتيارات وحدها، بل لعب تقييم المرشحين وبرامجهما دوراً أساسياً، إلى جانب نقاش داخلي حول الجمع بين قيادة الحزب والعمل النيابي، إذ رأى فريق صعوبة الجمع بين المهمّتين، في حين اعتبر آخرون أن وجود نائب على رأس الحزب يمكن أن يمنحه قيمة سياسية إضافية.[2]
وتعبيراً عن حرص الأمين العام الجديد ومنافسه في انتخابات الموقع القيادي الأول في الحزب، على تبديد مناخ تحول التنافس إلى انقسام داخلي، فقد تبادل الاثنان عبارات التأكيد على وحدة الحزب والعمل الجماعي، فقد قال القطاونة عند إعلان انسحابه: “إن أمانة النيابة أخف من أمانة أن أكون أميناً عاماً وقلوبنا متفرقة”. [3]
أما الخوالدة، فقد أكد عقب إعلان فوزه، أن مرحلة الانتخابات أصبحت خلف الحزب، وأن الأولوية خلال المرحلة المقبلة تتمثل في البناء وتعزيز الحضور الوطني، متعهداً بأن يكون أميناً عاماً لجميع الأعضاء، والعمل على توحيد الجهود وتحقيق تطلعاتهم. وثمّن الخوالدة موقف القطاونة وانسحابه من المنافسة ودعمه له.[4]
تشكيلة مجلس الشورى
لقد كان من بين أبرز نتائج المؤتمر، ملء المقاعد التكميلية لمجلس الشورى العاشر للحزب، وعددها 21 مقعداً. ويتشكل مجلس شورى الحزب من 103 أعضاء، ثمانون منهم يُنتخبون مباشرة من فروع الحزب في مختلف محافظات المملكة. هذا بالإضافة إلى الأمين العام ورئيس مجلس الشورى المنتهية ولايتهما.
شهدت انتخابات المقاعد التكميلية تنافساً لافتاً، فقد ترشّح لهذه المقاعد 46 عضواً، أي أن التنافس بلغ أكثر من مترشحين اثنين لكل مقعد. واتّسمت مجموعة الفائزين بالتنوع[5]، فقد اشتملت على قيادات تاريخية، وعلى ست سيّدات، وثلاثة شباب، وخمسة نواب من بينهم سيّدتان، بالإضافة إلى النائب السابق عن العقبة حسن الرياطي الذي فقد مقعده على أثر صدور حكم قطعي لم يدخل حيّز التنفيذ بعد، بحبسه لمدة سنتين، بسبب المشاجرة التي وقعت في مجلس النواب أواخر عام 2021، والتي كان طرفاً فيها، وذلك كشكل من أشكال الوفاء لانتمائه الحزبي والنيابي، وتقديراً لموقفه.
وأشادت إحدى الفائزات بعضوية المجلس في مقال صحفي لها بما اعتبرته “تقديم أعضاء الحزب لأخواتهم سيدات حزب الأمة في مقدمة الفائزين بمقاعد مجلس الشورى، طواعيةً وبمحض إرادتهم، ودون كوتا أو توجيه”[6]، هذا في حين أنّ النظام الأساسي للحزب ينص في المادة (5/4/1) على تخصيص ستّة من الأعضاء الذين ينتخبهم المؤتمر العام على الأقل من النساء، وثلاثة على الأقل من الشباب (35 سنة فما دون).
تناول عدد من الكتاب الصحفيّين المشكلات التي تنتظر حزب الأمة في القادم من الأيام من بوابة فرضية مفادها أن حزب الأمة يواجه استحقاقاً بإعادة النظر بإرثه التاريخي، سيّما وأن مؤتمر الحزب مال نحو اختيار قائد جديد للحزب من الجيل الشاب والمحسوب على اتّجاه الاعتدال والوسط. فذكر أحدهم في وسيلة إعلام لندنية بأن قطاعات واسعة من النخب الوطنية الأردنية “لم تقتنع بأن حذف كلمة “الإسلامي” من التسمية القانونية يعني بالضرورة انسلاخ الحزب عن أدواته الأيديولوجية الكلاسيكية”.[7]
وكتب آخر في وسيلة إعلام محلية بأن التنافس على الأمانة العامة لم يخرج عن الإطار الذي حكم الحركة الإسلامية الأردنية منذ عقود: “صقور” يمثّلهم القطاونة، و”حمائم ووسط” يمثّلهم الخوالدة، وهذا التصنيف نفسه- بمسمياته وتحالفاته الداخلية- “هو الإرث التنظيمي الذي كان من المفترض أن يتغير مع تغيير الاسم”.[8]
غير أن هذا الافتراض بوجوب أن يراجع الحزب خياراته الفكرية والسياسية والتنظيمية لمجرد أنه اضطر إلى تغيير اسمه، إنما يتجاهل حقيقة أن التخلي عن كلمة “الإسلامي” لم يكن خياراً إرادياً للحزب أو أيٍ من تياراته التنظيمية والسياسية، بل كان إجراءً لا مناص منه لمواءمة اسم الحزب الجديد مع قانون الأحزاب السياسية النافذ ومتطلبات الهيئة المستقلة للانتخاب.
تحدّيات من العيار الثقيل
غير أنّ حزب الأمة وقيادته الجديدة، يواجه بعد الانتهاء من انتخاب مجلس الشورى، وعقد مؤتمره الدوري وانتخاب أمينه العام الجديد، والمواقع التكميلية في مجلس الشورى، يواجه تحدّيات عدّة، يتوقف مستقبل الحزب على مدى قدرته على معالجتها بالحكمة اللازمة، أو بمدى قدرته على تحويل هذه التحديات إلى فرص لتطوير خطاب الحزب وبرامجه وسياساته وترسيخ مكانته في المجتمع.
وقد بعث الأمين العام المنتخب بإشارات في هذا الاتّجاه، فقد كشف في تصريح له عن خطة لإعادة الهيكلة، وتطوير اللجان الحالية وتحويلها إلى دوائر مركزية تعمل مجتمعة بصورة تشبه “حكومة الظل”، بحيث تتولى إعداد سياسات ورؤى متخصصة في الملفات المختلفة. وتشمل رؤيته: مأسسة العمل الداخلي، ومنح الفروع دوراً أكبر، وتطوير الإعلام الرقمي، وتوسيع العضوية والحضور المجتمعي مع المحافظة على الهوية السياسية والفكرية للحزب. ويلخّص الخوالدة المعادلة التي يسعى إليها بالقول إنّ الحزب يريد أن “يبقى محافظاً على هويته ولكن أن يتجدّد في وسائله وآلياته”.[9]
أما أبرز التحدّيات التي يواجهها الحزب، فتتمثّل في القضايا الآتية:
أولاً: تشكيل المكتب التنفيذي
إن التحدي المباشر الذي سيتعامل معه الأمين العام الجديد في الأيام القادمة، هو تشكيل المكتب التنفيذي الذي يتكون من 13 عضواً بمن فيهم الأمين العام، بالإضافة إلى عضوين مراقبين، هما: رئيسة القطاع النسائي ورئيس القطاع الشبابي. ويتمتع الأمين العام بصلاحية اختيار أعضاء المكتب التنفيذي. غير أن مجلس الشورى هو من يُصادق على هذا الفريق، ما يملي على الأمين العام أن يراعي توازنات تركيبة مجلس الشورى عند تشكيل المكتب التنفيذي للحزب.
ثانياً: حظر جماعة الإخوان المسلمين، وخروج الجماعة من المشهد السياسي
إن تراجع البيئة الدولية المحيطة بالإسلام السياسي وخاصة من قبل الولايات المتحدة، يسلّط الضوء أكثر على إشكالية العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، ما يُفضي إلى تشدّد السلطات الأردنية في مراقبة أي نشاط سواء كان من طبيعة تنظيمية أو سياسية للجماعة باعتبارها خارجة عن القانون.
وفي العقود الماضية، منذ تأسيس حزب جبهة العمل الإسلامي، وحتى وقت قريب، بقيت جماعة الإخوان المسلمين تتمتع بدورها كحاضنة للجسم الأكبر من جمهور الحركة الإسلامية، وبمكانتها التاريخية والمرجعية، حتى أن عضوية حزب جبهة العمل الإسلامي كانت تقتصر دائماً على أعداد قليلة تتجاوز الأعداد التي يشترط القانون تسجيلها. وحتى الآن، فإن عضوية حزب الأمة تقتصر على 2,536 عضواً، بتاريخ انعقاد المؤتمر، من بينهم 1,057 عضواً مؤسساً، والباقي منتسبون جدد خلال السنوات الثلاث الماضية. وعليه، فإن تأطير جمهور الحركة الإسلامية سيبقى مسألة مطروحة على جدول أعمال الحزب.
ويرى عضو مجلس الشورى النائب ينال فريحات أن الحزب بات يتحمل مسؤولية أكبر في تمثيل العمل الإسلامي السياسي بعد حظر جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يرفع سقف التوقعات من قيادته ومؤسساته. ومن هنا، تبدو خطط إعادة الهيكلة وتوسيع المشاركة الداخلية ومحاولة إنتاج برامج متخصصة أكثر من مجرد ترتيبات إدارية؛ إذ يسعى الحزب إلى تحديد شكل حضوره السياسي في المرحلة المقبلة.[10]
ثالثاً: إدارة العلاقة ما بين قيادة الحزب وممثليه في مجلس النواب
إن إدارة العلاقة بين قيادة الحزب التنفيذية وكتلته البرلمانية في مجلس النواب، تعد من التحديات المهمة التي تواجه الحزب، وبخاصة أن كتلة الحزب البرلمانية واسعة العدد، وتبلغ 31 عضواً. وهذا النمط من التحديات لا يمثل إشكالية خاصة بحزب الأمة ونوابه، بل هو إشكالية تشهدها الأحزاب البرلمانية بشكل عام، بالنظر إلى خصوصية البرلمانيّين كممثّلين منتخبين من الشعب سواء في الدائرة العامّة أو الدوائر المحلية، وهذا يتطلب تفهم هذه الخصوصية، وتحديد القواعد العامة للعلاقة البينية بين الجهتين.
وختاماً، ففي سياق تأكيد الأمين العام الجديد لحزب الأمة على ثوابته السياسية، فقد شدّد الخوالدة فور انتخابه على توجه الحزب نحو بناء شراكات وطنية، ومد جسور التعاون مع مختلف مكونات العمل الوطني، بما يخدم الأردن والقضايا العربية والإسلامية، مؤكداً محورية القضية الفلسطينية، ودعم الشعب الفلسطيني ومقاومته، ورفض مخططات تصفية القضية، والوطن البديل، ومسارات دمج الكيان الإسرائيلي في المنطقة. وجدّد تأكيد وقوف الحزب إلى جانب الأردن والقوات المسلحة الأردنية في مواجهة أي خطر خارجي، مشيراً إلى أهمية تعزيز الموقف الوطني في مواجهة التحديات.[11]
______________________________________
[1] المؤتمر العام لـ “العمل الإٍسلامي” يختار “حزب الأمة” اسماً جديداً للحزب ويقر تعديلات النظام الأساسي، الموقع الإخباري الرسمي لحزب الأمة، 10 نيسان 2026.
[2] انظر: أول انتخابات في عهده الجديد .. ماذا تغيّر داخل حزب الأمة الأردني؟ الجزيرة نت، 20 أيلول 2026.
[3] انظر: أول أنتخابات، المصدر السابق.
[4] انظر: انتخاب معاذ الخوالدة أميناً عاماً لحزب الأمة، عمون، 19 أيلول 2026.
[5] فاز بالمقاعد التكميلية الواحد والعشرين الأعضاء التالية أسماؤهم: بيان فخري، أميمة الأخرس، ينال فريحات، عبادة الظاهر، حمزة منصور، إبراهيم المنسي، جميل أبو بكر، علي أبو السكر، مصطفى صقر، سناء أبو فارس، حسن الرياطي، وسام الربيحات، دعاء جبر، خالد الجهني، مالك الطهراوي، بادي الرفايعة، عبد الحميد ذنيبات، راكين أبو هنية، عارف حمدان، محمد أبو رمّان، ورويدة أبو راضي.
[6] انظر: النائب المحسيري تتحدّث عن انتخابات حزب الأمة، صراحة نيوز، 21 أيلول 2026.
[7] انظر: حميد قرمان، وجهات نظر، حزب الأمة الأردني .. قيادة جديدة للمطبخ القديم، حفريات، 20 أيلول 2026.
[8] انظر: د. عمر الرداد، انتخابات حزب الأمة: عندما تُستبدل اللافتة وتبقى البنية، عمون، 22 أيلول 2026.
[9] انظر: أول انتخابات في عهده الجديد .. ماذا تغيّر داخل حزب الأمة الأردني؟ الجزيرة نت، مصدر سبق ذكره.
[10] انظر: أول انتخابات في عهده الجديد .. ماذا تغيّر داخل حزب الأمة الأردني؟ الجزيرة نت، مصدر سبق ذكره.
[11] انظر: انتخاب معاذ الخوالدة أميناً عاماً لحزب الأمة .. تعهد بتوحيد الصفوف وتعزيز الموقف الوطني في مواجهة التحديات، الموقع الإخباري الرسمي لحزب الأمة، 22 أيلول 2026.