
تصاعد الجدل حول قانون الضمان الاجتماعي في النقاشات العامة الأردنية عقب موافقة مجلس الوزراء في 17 شباط/فبراير 2026 على الاسباب الموجبة لمشروع القانون المعدل، والذي يهدف إلى إعادة هيكلة المنظومة التأمينية. ومع انطلاق المسار التشريعي لمناقشة المشروع داخل مجلس النواب، تصدّرت قضية الضمان الاجتماعي النقاشات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويكتسب الضمان الاجتماعي حساسية خاصة لارتباطه المباشر بالأمن الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين وتأثيره على شريحة واسعة من العاملين والمتقاعدين وأسرهم، ما يجعل أي نقاش حوله محاطاً بمستويات مرتفعة من الاهتمام الشعبي والجدل السياسي. وفي هذا السياق برزت مخاوف لدى قطاعات واسعة من الأردنيين بشأن مستقبل مدخراتهم التقاعدية واستدامة صندوق الضمان بحد ذاته، وذلك بالتوازي مع تساؤلات حول الأوضاع المالية للمؤسسة وآليات إدارة أموالها.
يستعرض التقرير التالي مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي، كما يرصد مواقف الأحزاب السياسية والكتل النيابية من التعديلات المقترحة، بهدف تتبع أبرز أداء الأحزاب وتوجهاتها التي رافقت طرح المشروع.
أولاً: صندوق الضمان الاجتماعي الأهمية الاقتصادية-الاجتماعية
تشكّل المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي إحدى الركائز الأساسية في البنية الاقتصادية والاجتماعية في الأردن، بوصفها منظومة تأمينية استثمارية تقوم على إدارة الاشتراكات وتحويلها إلى أصول مالية عبر صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، وتعد أكبر صندوق مالي في البلاد.
- استقلالية صندوق الضمان الاجتماعي
ينص الإطار القانوني الناظم لمؤسسة الضمان الاجتماعي على اعتبارها مؤسسة عامة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مع إخضاعها لقواعد حوكمة محددة والتزامات تنظيمية تشمل التقارير الدورية وآليات الرقابة المؤسسية.
إلا أن التطبيق العملي يكشف عن تداخل بين هذا الاستقلال القانوني والارتباط الفعلي بالسلطة التنفيذية، حيث يتولى وزير العمل رئاسة مجلس إدارة المؤسسة الذي يتشكل من ممثلي عدة أطراف تشمل ممثلين عن الأجهزة الأمنية والعسكرية يسميهم مجلس الوزراء بالإضافة إلى ممثلين عن العمال وأصحاب العمل، ورغم ما تعكسه هذه التركيبة من تمثيل قطاعي واسع، إلا أنها لا تلغي الإشكالية المرتبطة بمدى استقلال القرار المؤسسي، ومدى أثر ذلك على التعيينات، وتوجيه جزء من موجودات المؤسسة لخدمة الدين الحكومي ومعالجة العجز المتراكم للموازنة العامة.
- الصندوق ودوره الاقتصادي والاجتماعي
بلغت قيمة موجودات الصندوق قيمة 19.2 مليار دينار مع نهاية الربع الأول من عام 2026، وذلك نتيجة نمو تراكمي خلال السنوات الأخيرة، ما عزّز موقعه كأحد أبرز اللاعبين الاستثماريين في الاقتصاد الوطني. ويؤدي هذا الحجم من الموجودات إلى تمكين الصندوق من توفير تمويل طويل الأمد، ينعكس بدوره على دعم الاستقرار الاقتصادي الكلي وتخفيف الضغط على الموازنة العامة. وفي السياق ذاته، يضطلع الصندوق بوظيفة اقتصادية واجتماعية مزدوجة؛ إذ يضخ سيولة في الأسواق ويدعم المشروعات الوطنية، بالتوازي مع توفير دخل تقاعدي للمستفيدين، بما يرسخ دوره كشبكة أمان اجتماعي تشمل أكثر من 1.65 مليون مشترك ونحو 295 ألف متقاعد.
بدأ الصندوق منذ عام 2003 بالتوسع التدريجي ليشمل موظفي ومتقاعدي القطاع العام، المدني والعسكري، ما أدى إلى إدماج فئات جديدة ضمن نظام التأمينات وتعزيز العدالة التأمينية وتوحيد نظم التقاعد، إلا أن هذا التوسع ترتب عليه ارتفاع ملحوظ في حجم الالتزامات التقاعدية المستقبلية وقيمة المستحقات المرتبطة بالمتقاعدين وأسرهم، دون أن يقابله نمو كافٍ في الموارد، الأمر الذي زاد من الضغط الاكتواري وأثر على التوازن المالي للصندوق على المدى المتوسط.
تركز السياسة الاستثمارية للصندوق على السندات الحكومية، استناداً إلى اعتبارات الأمان واستقرار العوائد. وتنسجم هذه العوائد المنتظمة مع طبيعة الالتزامات التقاعدية الثابتة، ما يسهم في تقليل المخاطر الكلية التي قد يتعرض لها الصندوق وفقاً للسيد عز الدين كناكرية رئيس صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي.
إلا أنه وفي المقابل، يذهب البعض إلى التخوف من هذا التوجه يستبطن مخاطر ناجمة عن تركز الاستثمار في السندات الحكومية، أبرزها مخاطر التركّز المالي المرتبطة باحتمالات تعثر السداد أو تقلب أسعار الفائدة، إضافة إلى كلفة الفرصة البديلة الناتجة عن محدودية التوجه نحو الاستثمارات الإنتاجية. ويظهر ذلك بوضوح في التوزيع الكمي للاستثمارات، حيث تبلغ حصة السندات الحكومية نحو 57.8% من موجودات الصندوق، بقيمة تقديرية تقارب 10.3 مليارات دينار، معظمها في أدوات دين محلية. ويؤدي هذا النمط إلى تقييد فرص تحقيق عوائد أعلى محتملة وتقليص الأثر التنموي المرتبط بخلق فرص العمل.
ثانياً: مشروع قانون معدِّل لقانون الضَّمان الاجتماعي لسنة 2026
تشير المعطيات الاكتوارية إلى وجود ضغوط متزايدة على منظومة الضمان الاجتماعي، خاصة في تأمينات الشيخوخة والعجز والوفاة، في ظل استمرار أنماط التقاعد المبكر التي تُسرّع الاقتراب من نقطة التعادل. ورغم عدم وجود خطر إفلاس فوري، إلا أن المسار الحالي ينطوي على تهديد تدريجي للاستدامة المالية، ما يستدعي تدخلاً تشريعياً لإعادة ضبط العلاقة بين الاشتراكات والمنافع.
ينطلق مشروع التعديل من أدوات رقمية مباشرة لإعادة التوازن، حيث تم رفع عدد الاشتراكات اللازمة للتقاعد المبكر من 252 اشتراكاً إلى 360 اشتراكاً، بما يقلل من سهولة الخروج المبكر من سوق العمل. كما تم رفع عدد الاشتراكات اللازمة للتقاعد الوجوبي (الشيخوخة) من 180 اشتراكاً إلى 240 اشتراكاً اعتباراً من 1/1/2028، في خطوة تستهدف إطالة فترة الاشتراك الفعلية.
وعلى صعيد العمر التأميني، يعتمد المشروع مساراً تدريجياً لرفع سن التقاعد بواقع 6 أشهر سنوياً، بحيث يرتفع سن التقاعد للذكور من 60 عاماً إلى 65 عاماً، وللإناث من 55 عامًا إلى 60 عاماً، ابتداءً من 1/1/2028. ويؤدي ذلك إلى زيادة العمر الإنتاجي وتقليص فترة الاستفادة من المنافع، خاصة للأجيال القادمة.
وفي المقابل، يسعى المشروع للحافظ على التوازن الاجتماعي من خلال تثبيت الحقوق المكتسبة، إذ يتيح لمن استوفوا شروط التقاعد المبكر قبل 1/1/2027، وشروط التقاعد الوجوبي قبل 1/1/2028، الاستفادة وفق الأحكام السابقة. كما يتضمن رفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية من مستويات كانت أدنى من 200 دينار إلى حد أدنى مقداره 200 دينار، بما يستفيد منه نحو 20 ألف متقاعد.
أما على صعيد الامتثال، فيجمع المشروع بين التحفيز والردع، إذ تم تخفيض نسبة الاشتراكات للمنشآت الصغيرة من 21.75% إلى 2.75% لتشجيع الانخراط، مقابل رفع الغرامات على المخالفات من 30% إلى 100%، وفرض عقوبات مالية تتراوح من 3000 إلى 5000 دينار على حالات التلاعب.
ثالثاً: مواقف الأحزاب السياسية وكتلها النيابية من تعديلات القانون
راعت مواقف الأحزاب السياسية إلى حد بعيد التوجه الشعبي المتخوف من أي تعديل على قانون الضمان الاجتماعي، حيث عكست حالة القلق المجتمعي إزاء التعديلات المقترحة. تباينت هذه المواقف بين رفض شامل لمشروع القانون والدعوة إلى رده بالجملة، وبين إعلان رفض أبرز بنوده والتحفظ عليها، خاصة تلك المتعلقة برفع سن التقاعد وآلية احتساب المنافع.
جرت مناقشة مشروع القانون في آذار/مارس 2026 وسط جدل واسع تحت القبة، إذ لم يُتح المجال لكافة النواب لعرض آرائهم أو مناقشة المشروع تفصيلاً، كما لم تتمكن جميع الأحزاب السياسية الممثلة في مجلس النواب والتي بلغ عددها بعد عمليات الاندماج الأخيرة 9 أحزاب، وهي: (جبهة العمل الإسلامي، الميثاق، مبادرة، الاتحاد الوطني، عزم، العمال، العمل، نماء، والإصلاح / الوطني الإسلامي سابقًا) من التعبير عن مواقفها. وقد اقتصرت المداخلات على رؤساء الكتل النيابية، في حين لم تُتح للأحزاب الخمس المتحالفة داخل كتلة الاتحاد والإصلاح النيابية فرصة مستقلة لعرض مواقفها، ما أثار استياء عدد من النواب الحزبيين.
وقد طالب العديد من النواب بإعادة التصويت واعتبار ما جرى مساساً بدور المجلس التشريعي، وذلك بعد اعتراضات على طريقة إدارة الجلسة. خصوصاً مع فشل مقترح رد المشروع، وآلية تصويت المجلس لإحالته إلى اللجنة المختصة، وسط التشكيك بسلامة النصاب وسرعة التصويت، وعدم إتاحة المجال الكافي للنقاش، ما أعطى الانطباع بعدم شفافية الإجراءات.
- الأحزاب التي رفضت مشروع القانون وطالبت برده
رفضت كل من أحزاب التالية مشروع قانون الضمان الاجتماعي المعدّل؛ (حزب جبهة العمل الإسلامي، حزب عزم) بالإضافة إلى كل من حزبي (العمال والعمل) المنضويان ضمن كتلة الاتحاد والإصلاح النيابية، حيث طالبت هذه الأحزاب برد المشروع أو سحبه وعدم المضي به بصيغته الحالية.
تبنّت كتلة جبهة العمل الإسلامي، بقيادة النائب صالح العرموطي، موقفاً حازماً برفض المشروع وتقديم مقترح رسمي لرده، مستندة إلى جملة من الاعتراضات الدستورية والاقتصادية والاجتماعية. فقد اعتبرت الكتلة أن التعديلات تمس مبدأ المساواة أمام القانون وتخالف المادة 128 من الدستور عبر المساس بالحقوق المكتسبة، خاصة مع تضمّنها تطبيقات بأثر رجعي على المشتركين والمتقاعدين والأرامل. كما حذرت من انعكاسات المشروع على مصادر رزق المواطنين والحق في العيش الكريم، وأبدت مخاوف من تداعياته على الأمن المجتمعي في ظل غياب دراسات تقييم الأثر. وعلى الصعيد الفني، شككت الكتلة في مصداقية الدراسة الاكتوارية ودقة البيانات المعتمدة، وانتقدت توجيه جزء من موجودات الصندوق، المقدّرة بنحو 18 مليار دينار، نحو تخفيف الدين العام، معتبرة ذلك استثماراً غير كفؤ، إلى جانب رفضها رفع سن التقاعد والتحذير من آثاره بعيدة المدى.
من جهته، أعلن حزب عزم، بقيادة النائب الدكتور وليد المصري، رفضه مشروع القانون كما ورد من الحكومة، مؤكداً أن أي تعديل لا يجوز أن يمس حقوق المواطنين أو يزيد الأعباء عليهم. وانطلق الحزب من اعتبار الضمان الاجتماعي ركيزة أساسية للاستقرار الوطني والسلم الاجتماعي، قائماً على علاقة ثقة بين الدولة والمواطن، ما يستوجب حماية أموال المشتركين واستثمارها بكفاءة وعدالة. وفي هذا السياق، شدد الحزب على أن استدامة الصندوق لا تتحقق عبر تقليص المنافع أو تحميل المواطنين الكلفة، بل من خلال إدارة استثمارية رشيدة، وحوكمة شفافة، وتوسيع قاعدة المشتركين، ومحاربة التهرب التأميني، واعتماد قرارات مبنية على دراسات اكتوارية دقيقة ومعلنة.
أما حزب العمال وحزب العمل، فرغم انتمائهما إلى كتلة الاتحاد والإصلاح النيابية، فقد أعلنا رفضهما للمشروع والمطالبة برده أو إعادة صياغته. واعتبر الحزبان أن المشروع لا يحقق العدالة التأمينية ولا يضمن الاستدامة المالية، بل يفرض أعباء إضافية على المؤمن عليهم والمتقاعدين، ويقوم على مقاربة تقوم على تقليص المنافع وتشديد شروط الاستحقاق بدل معالجة الاختلالات البنيوية، وقد خالف بعض نواب الكتلة مواقف حزبيهما ودعموا إحالة المشروع إلى لجنة العمل والتنمية.
وفي هذا الإطار، ركز حزب العمال على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، معتبراً أن رفع سن التقاعد يقلل فرص الشباب في العمل وقد يضر بالنساء، كما يؤدي تقليص المنافع إلى تراجع القوة الشرائية وانعكاسات سلبية على النشاط الاقتصادي. كما انتقد تركّز الصلاحيات بيد الحكومة وضعف الرقابة البرلمانية، وغياب الشفافية في الحسابات الاكتوارية، مقترحاً بدائل تشمل تحسين إدارة الاستثمارات، وتوسيع قاعدة المشتركين، وتحميل الدولة مسؤولياتها، واعتماد آليات تصحيح تلقائي، وتعزيز الشفافية.
بدوره، قدّم حزب العمل قراءة تفصيلية لمضامين المشروع، مشيراً إلى أن التعديلات تمس الحقوق المكتسبة وتخل بالمراكز القانونية المستقرة. كما انتقد الحزب الفرضيات الاكتوارية التي اعتمدتها الحكومة، بما في ذلك افتراض عوائد استثمارية أقل من الواقع وتجاهل التوسع المتوقع في قاعدة المشتركين، إلى جانب التحذير من ارتفاع التركز في سندات الخزينة. وطرح الحزب بدائل إصلاحية تقوم على إعادة صياغة القانون، وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع استراتيجية، وتخصيص جزء من الأرباح للمتقاعدين، وتعزيز استقلالية إدارة الصندوق.
وعلى المستوى إدارة الجلسة، أجمعت هذه الأحزاب على انتقاد آلية التصويت داخل المجلس، معتبرة أنها لم تفسح المجال لنقاش كافٍ، خاصة في ظل سرعة التصويت التي لم تتجاوز ثوانٍ معدودة، إلى جانب الاعتراض على منح اللجنة مدة تقارب شهراً واحداً لدراسة مشروع قانون بهذه الحساسية، مع التأكيد على ضرورة توسيع دائرة الحوار لتشمل الخبراء والمجتمع المدني والإعلام، ضمانًا للوصول إلى تشريع توافقي ومتوازن.
الأحزاب التي وافقت على تحويل مشروع القانون للجنة العمل النيابية
وافقت ثلاثة أحزاب على تحويل مشروع قانون الضمان الاجتماعي إلى لجنة العمل والتنمية النيابية، وهي: حزب الميثاق الوطني، حزب مبادرة، وكتلة الاتحاد والإصلاح النيابية التي تضم كل من الاحزاب التالية (الاتحاد الوطني، نماء، الاصلاح -الوطني الإسلامي سابقا-) ، حيث تبنّت هذه الأطراف مسار الإحالة إلى اللجنة كخيار إجرائي لإعادة دراسة المشروع، دون أن يعني ذلك قبولاً بصيغته الحالية.
شدد حزب الميثاق الوطني على أن تحويل المشروع إلى اللجنة يمثل خطوة ضرورية لضمان دراسته بصورة متأنية وشاملة، داعياً إلى إطلاق حوار وطني واسع يشمل ممثلي المتقاعدين وكافة الجهات المعنية. وأكد الحزب أن أي تعديل يجب أن يحافظ على العدالة والكرامة، وألا يكون على حساب المواطنين، مع رفضه استمرار أوضاع تقاعدية متدنية لما يقارب عشرين ألف متقاعد يتقاضون أقل من 200 دينار. كما اعترض على المعادلة المزدوجة بين عدد الاشتراكات والعمر، وطالب بالعودة إلى النظام السابق، ورفض رفع نسبة الاقتطاع إلى 4% داعياً إلى تخفيضها إلى 2% بسقف محدد. وركز الحزب كذلك على حماية حقوق الأردنيين المغتربين المشتركين اختيارياً، وعلى إيجاد صيغة عادلة لمعالجة الرواتب العالية، محذراً من تحميل محدودي الدخل الأعباء المالية وحدهم، انتقد الحزب التشوهات السابقة في إدارة الضمان، وحذر من التوسع في الاستثمار بالسندات، مؤكداً ضرورة إدارة موجودات الصندوق وفق أعلى معايير الشفافية والحوكمة، إلى جانب الدعوة لإعداد الدراسات الاكتوارية من جهات مستقلة ونشرها، وتعزيز استقلالية الصندوق عن التدخل الحكومي.
أما حزب مبادرة، فرغم موافقته على تحويل المشروع إلى اللجنة، فقد أكد أن هذا المسار لا يعكس تأييداً لمضمونه، بل يهدف إلى إعادة صياغته بشكل متوازن. وشدد الحزب، بقيادة النائب أحمد هميسات، على ضرورة حماية الحقوق المكتسبة وصون أموال الضمان، معتبراً أن أي تعديل لا يحقق العدالة الاجتماعية أو يغير الخطط التقاعدية للمشتركين لن يحظى بدعمه.
وأشار إلى أن المشروع يتضمن تعديلات غير منصفة، مثل رفع سن التقاعد وزيادة سنوات الاشتراك وتشديد شروط التقاعد المبكر وفرض نسبة خصم 4%، وهي إجراءات رأى أنها تمس غالبية الموظفين والمتقاعدين والشباب. كما دعا إلى شمول المكافآت بقانون الضمان باستثناء أعضاء مجلس الأمة، ورفع الحد الأدنى للراتب التقاعدي، وتشجيع الاشتراك الاختياري، مؤكداً أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يشمل توسيع قاعدة الشمول التأميني، ومعالجة التهرب، وتحسين إدارة الاستثمارات وتعظيم العوائد، مع مراعاة واقع سوق العمل. وأعلن الحزب عزمه تقديم ورقة عمل مفصلة والدفع نحو حوار مؤسسي شامل لإنتاج صياغة تشريعية متوازنة.
وفي الإطار ذاته، تبنّت كتلة الاتحاد والإصلاح النيابية موقفاً يقضي بالموافقة على إحالة المشروع إلى لجنة العمل لإجراء دراسة تفصيلية، مع رفض تمريره بصيغته الحالية. وأكدت الكتلة أن أي تعديل يجب أن يحقق ثلاثة معايير أساسية هي العدالة والاستدامة والقابلية للتطبيق في سوق العمل، محذرة من أن أي خلل في هذه المعايير سيؤدي إلى توازن شكلي لا يوفر حماية حقيقية للمؤمن عليهم.
وأبدت الكتلة تحفظات جوهرية على المشروع، من بينها خفض نسب التقاعد المبكر بما قد يؤدي إلى خسائر كبيرة تصل إلى نحو 60% من الراتب المتوقع، ورفع عدد الاشتراكات المطلوبة إلى 360 اشتراكاً، إضافة إلى الدعوة لجعل رفع سن التقاعد خياراً لا إلزاماً، مع الحفاظ على حق التقاعد عند سن 60 عاماً. كما قدمت الكتلة مقترحات بديلة، شملت تخفيض نسب الاقتطاع، وتحديد سقف الاشتراكات عند 300، وتوسيع الشمول التأميني، ومحاربة التهرب، وإنشاء صندوق مخاطر داخلي، وتعزيز الشفافية في إدارة الأموال. وعلى الصعيد الإجرائي، أكدت الكتلة أن مدة شهر واحد غير كافية لدراسة مشروع بهذا الحجم، مطالبة بإتاحة وقت كافٍ لإجراء تقييم شامل يضمن الوصول إلى تشريع متوازن وفعّال.
الأحزاب خارج مجلس النواب
تشير مواقف الأحزاب التي تفاعلت مع مشروع القانون، الى اتجاه عام يتسم بالتحفّظ أو الرفض لمشروع قانون الضمان الاجتماعي بصيغته المطروحة، مع تباين في درجات هذا الرفض بين الدعوة الصريحة لرد المشروع وبين المطالبة بمراجعته وإعادة صياغته ضمن إطار أوسع من الحوار الوطني.
ففي مقدمة الأحزاب الرافضة، برزت الأحزاب اليسارية، والتي تضم الحزب الشيوعي الأردني وحزب الوحدة الشعبية الأردني وحزب الشعب الديمقراطي (حشد)، بموقف نقدي شامل يستند إلى معطيات رقمية وبنيوية. إذ أكدت هذه الأحزاب أن التعديلات المقترحة تمس حقوق الطبقة العاملة والمكتسبات الاجتماعية، مشددة على أن أي إصلاح لمنظومة الضمان يجب أن ينطلق من حماية حقوق العمال والمتقاعدين، لا من اعتبارات مالية ضيقة.
وقد استندت في موقفها على عدة مؤشرات، منها ارتفاع نسبة التهرّب التأميني إلى 22.8% من القوى العاملة، وبلوغ نسبة التقاعد المبكر القسري 64% من حالات التقاعد، إضافة إلى وجود تفاوتات حادة في الرواتب التقاعدية تصل إلى 22 ألف دينار مقابل أقل من 200 دينار، مع تجاوز بعض الرواتب سقف 2000 دينار. كما انتقدت هذه الأحزاب التعديلات المتعلقة برفع سن التقاعد، وتشديد شروط الاستحقاق، وتعديل معامل المنفعة، وتغيير الأجر المرجعي، معتبرة أنها جاءت قبل نشر نتائج الدراسة الاكتوارية واستندت إلى مبررات غير مثبتة.
وذهبت إلى أبعد من ذلك بانتقاد استخدام أموال الضمان في تغطية عجز المالية العامة خلال الأزمات، بما في ذلك جائحة كورونا وشراء مبانٍ للبعثات الدبلوماسية، معتبرة ذلك مساساً بحقوق المشتركين. وفي المقابل، طرحت بدائل شملت توسيع مظلة الشمول، خاصة للقطاع غير المنظم، عبر الاشتراك الاختياري مع مساهمة حكومية بنسبة 7.5%، واعتماد الأجر المرجعي على كامل فترة الاشتراك، وتطبيق معامل المنفعة تدريجياً، وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع إنتاجية، إلى جانب إعادة الأموال المستخدمة خارج الأغراض التأمينية. وانتهت هذه الأحزاب إلى مطالبة مجلس النواب برفض التعديلات وعدم تمريرها.
وفي السياق ذاته، عبّر حزب البعث العربي الاشتراكي الأردني عن رفض واضح لمشروع القانون، داعياً إلى رده وعدم إقراره بصيغته الحالية، ومؤكداً أن القانون يثير مخاوف واسعة لدى العمال والمتقاعدين. وقد ركّز الحزب على رفض رفع سن التقاعد وزيادة مدد الاشتراك، باعتبارهما عاملين يسهمان في تفاقم البطالة، خصوصاً بين الشباب، نتيجة إبطاء عملية الإحلال الوظيفي. كما شدد على ضرورة عدم المساس بالحقوق المكتسبة، معتبراً أن قانون الضمان يشكل تشريعاً حمائياً يجب الحفاظ على جوهره. وفي المقابل، دعا الحزب إلى إطلاق حوار وطني شامل، مع ضمان تمثيل حقيقي للعمال وأصحاب العمل في مجلس إدارة المؤسسة، بحيث تكون الأغلبية لهم، تعزيزاً للحوكمة والشفافية.
كما اتخذ الحزب المدني الديمقراطي موقفاً نقدياً من مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي، إذ رأى أن المسار السليم كان يقتضي سحب المشروع من الحكومة أولاً ثم رده من قبل مجلس النواب، بدل الاكتفاء بتمريره إلى مراحل إجرائية لاحقة. كما يربط الحزب اعتراضه بطريقة إدارة الجلسة التشريعية نفسها، معتبراً أنها لم تمنح النواب المساحة الكافية للتداخل والنقاش، فضلاً عن دعوته إلى اعتماد آلية إلكترونية لاحتساب الأصوات تحقيقاً الدقة والشفافية.
وعلى المستوى الموضوعي، يرى الحزب أن المشروع لا يعالج الخلل البنيوي في منظومة الضمان، بل يقدّم حلولًا جزئية تتركز على رفع سن التقاعد وتشديد شروط الاستحقاق وزيادة مدة الاشتراك. ومن هنا، يرفض الحزب أن تنحصر المعالجة في رفع سن التقاعد، خصوصًا في ظل واقع سوق العمل الأردني الذي يتسم بارتفاع البطالة، وانخفاض المشاركة الاقتصادية، واتساع العمل غير المنظم، وتكرار الانقطاعات في الاشتراك التأميني. كما يؤكد أن تخفيض سن التقاعد إلى 63 أو 62 سنة لا يبدل جوهر الاعتراض، لأن الإشكال الحقيقي يكمن في أصل فكرة الرفع لا في مقدارها.
ويستند الحزب في موقفه إلى الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة، غير أنه يقرأها قراءة مختلفة عن القراءة التي تبرر رفع سن التقاعد، إذ يرى أنها تؤكد أيضًا أهمية توسيع الشمول التأميني، ورفع مشاركة المرأة، وتحسين الأجور. كما يشير إلى أن نمو عدد المشتركين جاء أقل من المتوقع، في حين ارتفع عدد المتقاعدين بوتيرة أعلى من التقديرات، وهو ما يربطه بضعف الشمول واستمرار التهرب التأميني وسياسات التقاعد المبكر. ولذلك، يرفض الحزب تحميل المؤمن عليهم مزيدًا من الأعباء المالية، ويعتبر أن المعالجة الأكثر عدالة وفعالية تمر عبر توسيع قاعدة المشتركين، ومعالجة التهرب التأميني، وتسريع تحصيل المديونية، وشمول العمالة غير الأردنية.
وكذلك حزب النهضة والعمال الديمقراطي، فقد اتخذ موقفاً رافضاً بشكل صريح، داعياً إلى عدم تمرير المشروع، استناداً إلى أن التعديلات المقترحة تنقل عبء الخلل الإداري إلى المشتركين بدل معالجته. وقد تمحورت انتقاداته حول تحميل العاملين نتائج قرارات تعسفية، والإبقاء على امتيازات خاصة لبعض الفئات في سن التقاعد، وإدخال تعديلات ذات أثر رجعي على قواعد الاشتراك والتقاعد. وفي إطار البدائل، دعا الحزب إلى إلزام المؤسسات بتحمل الكلفة الاكتوارية الكاملة لقرارات التقاعد المبكر، وتوحيد سن التقاعد، وإلغاء الاستثناءات، وتحصين صندوق الضمان من التدخل الحكومي، وإدارته من خلال مجلس منتخب من المشتركين.
أما حزب المستقبل والحياة الأردني، فقد دعا إلى التريث في مناقشة مشروع القانون خلال شهر نيسان/أبريل، وإتاحة المجال أمام الجهات المعنية وأصحاب العلاقة لإبداء ملاحظاتهم ضمن حوار وطني جاد ومسؤول. كما طالب بعدم إدراج المشروع على جدول أعمال الدورة الاستثنائية المقبلة لمجلس الأمة، والنظر في سحبه لإعادة دراسته بصورة شاملة ومتأنية، حفاظاً على حقوق المشتركين واستقرار المنظومة التأمينية. وعلى الصعيد المؤسسي، شدد الحزب على ضرورة إعادة هيكلة مؤسسة الضمان الاجتماعي وفق أسس حديثة، وتنظيم عمل مجلس الإدارة بمعايير واضحة تعزز استقلالية القرار المهني والتمثيل العادل والمتوازن، مع اعتماد آلية انتخاب رئيس المجلس من بين أعضائه واستحداث مجلسين للتأمينات واخر للإستثمار، كما شدد الحزب رفضه لرفع سن التقاعد لفوق 65 عام وأكد على ضرورة ضبط التوسع في نظام التقاعد المبكر.
وبالمثل، ذهب حزب المحافظين الأردني إلى رفض المشروع والدعوة إلى سحبه وإعادة دراسته، مستندًا إلى قراءة سياسية ترى أن الظرف الوطني والإقليمي لا يحتمل قرارات من شأنها أن تمس التماسك الداخلي أو تزيد الاحتقان العام. كما أشار الحزب إلى وجود إجماع وطني رافض للتعديلات، وإلى وجود ارتباك في الموقف البرلماني حياله.
وفي المقابل، قدّم حزب الغد الأردني موقفًا أقرب إلى الحفاظ على المسار الدستوري داخل المجلس، إذ رأى ضرورة عدم رد المشروع وتحويله إلى لجنة العمل والتنمية النيابية، حتى لا يُفقد مجلس النواب حقه في إدخال التعديلات. ومع ذلك، لم يكن موقفه قبولاً مطلقاً لمشروع القانون كما ورد من الحكومة، إذ تحفظ على رفع سن التقاعد، وطرح بدائل أكثر جذرية، أبرزها إلغاء التقاعد المبكر واعتماد سن تقاعد وجوبي موحد عند 60 سنة، مع استثناء المرأة عند 50 سنة، إلى جانب وضع حدود دنيا وعليا للرواتب التقاعدية وتخصيص مسار مستقل للمهن والعمال المهنيين.
ودعا الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني إلى مراجعة المشروع وإعادة صياغته على أسس تحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية. وقد أشار الحزب إلى ضيق قاعدة المشمولين بالضمان واستبعاد قطاعات واسعة، خاصة في الاقتصاد غير المنظم والعمل الرقمي، إضافة إلى وجود اختلالات في الحوكمة والاستثمار. كما رفض تحميل الفئات محدودة الدخل وحدها كلفة الإصلاح، داعياً إلى توزيع الأعباء، بما في ذلك دراسة مساهمة أعلى للشرائح ذات الدخل المرتفع. واقترح الحزب توسيع مظلة الشمول، واعتماد اشتراكات مرنة، وتعزيز الرقابة والشفافية، وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع إنتاجية، إلى جانب تطبيق عدالة انتقالية واضحة، والإبقاء على التقاعد المبكر كشبكة أمان اجتماعي مع معامل خصم عادل، وربط أي رفع لسن التقاعد بسياسات تشغيل وإعادة تأهيل.
أما حزب النهج الجديد، فقد انتقد آلية إدارة النقاش داخل مجلس النواب، واعتبر أن تمرير قانون بهذا الحجم عبر نقاش محدود أو سريع يعكس خللاً في الأداء التشريعي، مشيراً إلى هيمنة كتلة واحدة على مجريات النقاش مقابل غياب التعددية الحزبية الفعلية. كما انتقد الاكتفاء بعرض مسودة القانون لفترة قصيرة عبر المواقع الإلكترونية، معتبراً أن ذلك لا يحقق مشاركة حقيقية، وداعياً إلى توسيع دائرة الحوار ومنح الوقت الكافي قبل اتخاذ القرار.
ورأى حزب البناء والعمل أن التعاطي النيابي مع المشروع لم يصل إلى مستوى الحسم المطلوب، وأن التعديلات جزئية لا تعالج جوهر الإشكالات البنيوية. وقد اعتبر الحزب أن الاكتفاء بحلول وسط لا يوفر حماية كافية لحقوق المؤمن عليهم، ولا يستجيب لمخاوف الشارع، وفي هذا السياق، دعا إلى مراجعة شاملة للمشروع بدل التعديلات الجزئية، وتعزيز الرقابة البرلمانية، وفتح حوار وطني موسع للوصول إلى صيغة تضمن الاستقرار والعدالة.
رابعاً: تجميد مشروع القانون
فتحت لجنة العمل النيابية حواراً وطنياً واسعاً امتد على مدار أسابيع يناول مشروع قانون الضمان الاجتماعي المعدّل، شمل نحو 320 جهة من نقابات ومراكز دراسات وخبراء وتجمعات مهنية وقطاعية. وقد انطلقت اللجنة من قناعة واضحة بأن المشروع يمس كل بيت أردني، وأن أي تعديل فيه يجب أن يوازن بين حماية الحقوق المكتسبة واستدامة صندوق الضمان، من خلال نقاش علني وشفاف ومفصل مادةً مادة، وفقاً لرئيس اللجنة النائب أندرية حواري.
التقت اللجنة طيفاً واسعاً من القوى والجهات، شمل الأحزاب السياسية الأردنية، سواء الممثلة في البرلمان أو غير الممثلة فيه، إلى جانب الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن، واتحاد النقابات العمالية المستقلة، ونقابات مهنية وقطاعية، من بينها نقابات الممرضين والمهندسين الزراعيين والجيولوجيين، فضلًا عن ممثلي أصحاب الشركات العقارية ومكاتب الاستقدام وشركات الدعاية والإعلان وتقنية المعلومات، وجمعية خبراء ضريبة الدخل والمبيعات، وكذلك المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ومركز الحسين للسرطان، والمركز الوطني لحقوق الإنسان، وممثلين عن المغتربين، ووزراء عمل سابقين ورؤساء سابقين للجنة العمل، وخبراء فنيين مثل موسى الصبيحي وصالح السعدي وإدريس خمش، إضافة إلى غرفة تجارة الأردن وجمعية رجال الأعمال وجمعيات القطاعين الصناعي والمالي.
وعن خلاصات تلك اللقاءات، يمكن القول إن جميع الأطراف رحّبت بخطوة فتح حوار مكثّف حول مشروع القانون، لكنها أبدت في الوقت ذاته تحفظات واضحة عليه، سواء من حيث المبدأ أو على بعض مواده. وبوجه عام، لم يكن الرفض منصبّاً على فكرة الإصلاح ذاتها، بل على بعض الأدوات المقترحة لتحقيقه، ولا سيما ما يتعلق برفع سن التقاعد، أو زيادة الاشتراكات، أو المساس بالحقوق المكتسبة. وفي المقابل، برز اتفاق واسع على جملة من الثوابت، من أبرزها توسيع الشمول التأميني، ومكافحة التهرب، وتعزيز الاستثمار، ورفع مستوى الحوكمة والشفافية، والوصول إلى صيغة متوازنة تحقق الاستدامة من دون تحميل المواطن والقطاع الخاص الكلفة الأكبر.
أعادت اللجنة النظر في عدد من المفاهيم والمواد الجوهرية في المشروع، من بينها تعريف الأجر وصاحب العمل، وإجازة الأمومة، والمنصة الرقمية، والمكافآت والمخصصات، والمهن الخطرة، إضافة إلى تعديل المادة 20 التي تتعلق بسقف الأجر الخاضع للاقتطاع وآلية شموله، وتأجيل المادتين 62 و64 المرتبطتين بمعاملات المنفعة والتقاعد المبكر والوجوبي بانتظار الرد الاكتواري من الحكومة. كما أوضح أعضاء اللجنة أن التعديلات التي جرى التوافق عليها لم تكن شكلية، بل أصابت بنية المشروع في الصميم، وأنها هدفت إلى توسيع الشمول التأميني وتحسين العدالة بين فئات المشتركين.
وعلى الرغم من وصول مشروع القانون لمراحل متقدمة من التعديلات، طلبت الحكومة تأجيل النقاش فيه وتجميد العمل بمسار تعديله التشريعي، في خطوة رحبت بها عدة جهات واعتبرتها استجابة لضغوط الشارع الأردني بالإضافة إلى تراكم الملاحظات على نصوص مشروع القانون والتغيرات التي طرأت عليها.
الخلاصات والاستنتاجات
أن مشروع قانون الضمان الاجتماعي المعدل لسنة 2026 شكّل أحد أكثر الملفات حساسية في المجالين السياسي والاقتصادي الأردني، بسبب ارتباطه المباشر بحقوق واسعة من المواطنين وبمستقبل مؤسسة تُعد من أعمدة الاستقرار الاجتماعي.
من الملاحظ أن جوهر الخلاف لم يكن في وجود حاجة إلى الإصلاح من عدمها، بل في طبيعة الإصلاح المقترح من قبل الحكومة، وفي الطريقة التي أُدير بها النقاش حوله خصوصاً في مجلس النواب، مما جعل الجدل حول قانون الضمان الاجتماعي إلى قضية سياسية واجتماعية تمس الثقة بين الدولة والمجتمع أكثر من أن يأخذ الطابع التقني.
وبناءً على ما تقدم يمكن استخلاص النتائج التالية:
- جاء مشروع القانون استجابةً لضغوط اكتوارية ومالية حقيقية، لكنه صيغ بطريقة أثارت مخاوف اجتماعية وسياسية واسعة، وكشف عن ضعف واضح في مستوى الثقة العامة.
- تمحور النقاش حول الاستدامة المالية للصندوق وحماية الحقوق المكتسبة للمشتركين والمتقاعدين.
- أظهرت مواقف الأحزاب إجماعًا على ضرورة الإصلاح من حيث المبدأ، مع رفض تحميل المؤمن عليهم والمتقاعدين وحدهم كلفة الإصلاح.
- تركزت الاعتراضات على رفع سن التقاعد وتشديد شروط الاستحقاق.
- حملت العديد من الأحزاب الحكومة مسؤولية تراجع أوضاع الصندوق بسبب توسع سياسات الإحالة إلى التقاعد المبكر في القطاع العام، باعتبار أن هذه السياسات زادت أعباء الإنفاق التأميني، ورفعت كلفة الالتزامات المستقبلية، وأضعفت التوازن المالي للصندوق، الأمر الذي جعل الإصلاح المطروح يُنظر إليه بوصفه نتيجةً لتراكم اختلالات سببتها السياسات الحكومية السابقة أكثر من كونه خللًا في بنية الضمان وحده.
- برز توافق حزبي واسع على أن الإصلاح يجب أن يبدأ من تحسين الحوكمة وتعزيز الشفافية ورفع كفاءة الاستثمار وتوسيع الشمول التأميني ومكافحة التهرب.
- كشف الانقسام بين المطالبة برد مشروع القانون والإحالة إلى اللجنة أن الخلاف لا يتعلق بأصل الإصلاح، بل بطريقة الإصلاح وتوقيته وآلياته والجهة التي تتحمل كلفته.
- عكس الجدل ضعف الثقة في نتائج الدراسة الاكتوارية وفي آلية إدارة النقاش البرلماني، كما ساهمت طريقة إدارة الجلسة في تعميق الاعتراض وتحويل القضية إلى مسألة سياسية وإجرائية إلى جانب بعدها القانوني.
- تمثل الانقسام الحقيقي بين اتجاه يدعو إلى إصلاح تدريجي تحفظي واتجاه يطالب بإصلاح هيكلي شامل قبل المساس بالمنافع.
- يعكس النقاش حول القانون أزمة أوسع تتعلق بعلاقة الدولة بالمؤسسات التأمينية وبمفهوم العدالة الاجتماعية في السياسات العامة.
- ترى معظم الأحزاب أن الاستدامة المالية تتحقق من خلال توسيع الشمول ومكافحة التهرب وتحسين الاستثمار وتعزيز الاستقلال المؤسسي وليس فقط عبر تقليص المنافع.
- يؤدي تحميل الضمان كلفة الأزمات العامة إلى زيادة المقاومة المجتمعية.