
الباحث الدكتور معن الشمايلة
تعبر هذه الورقة عن رؤية الباحث، ولا تمثل بالضرورة موقف المركز.
المقدمة
لا يمكن فهم الجدل الدائر حول مستقبل حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن بوصفه نقاشاً تقنياً يتعلق بإجراء قانوني بعينه يتعلق بخيار الحل أو الإبقاء، ولا باعتباره خلافاً عابراً يمكن احتواؤه بقرار إداري أو تسوية مؤقتة. فالمقابلات التي أجريت مع قيادات سياسية حزبية حالية وسابقة، ونخب سياسية وإعلامية، وشخصيات ذات خلفية أمنية، تظهر بوضوح أن الأزمة أعمق من سؤال الحل أو الإبقاء، وأنها ترتبط قبل ذلك كله باختلاف جوهري في تعريف المشكلة نفسها. اللافت في هذه المقابلات لم يكن فقط تباين المواقف، بل اختلاف نبرة الحديث، وحدة بعض الإجابات، مقابل حذر وتردد في إجابات أخرى، بما يوحي بأن كل طرف ينطلق من تصور مختلف لطبيعة الأزمة وحدودها. وهو ما بدا أيضا في اختلاف ترتيب القضايا التي يضعها كل طرف في مقدمة حديثه، وفي ما يتم تجاوزه أو اختصاره عند الإجابة على أسئلة محددة.
تاريخيا، لم تبن العلاقة بين الدولة الأردنية والتيار الإسلامي على القطيعة، بل على صيغ متعددة من الاحتواء المنضبط الذي سمح بإدماج هذا التيار في المجال العام ضمن قواعد محددة. وفي هذا الإطار، جاء تأسيس حزب جبهة العمل الإسلامي مع إقرار قانون الأحزاب السياسية بوصفه محاولة لتنظيم المشاركة السياسية للتيار الإسلامي، والفصل بين العمل الحزبي من جهة، والنشاط الدعوي والتنظيمي من جهة أخرى. غير أن هذه الصيغة، رغم استمراريتها الزمنية، بقيت عرضة لاختبارات متكررة، بفعل تغير السياقات السياسية وتبدل أولويات الدولة، وتفاوت تصورات الحزب نفسه حول طبيعة دوره وحدود عمله. ومع مرور الوقت، لم تفض هذه الاختبارات المتكررة إلى إعادة تعريف نهائية للعلاقة، بقدر ما راكمت مساحات رمادية، جعلت كل أزمة لاحقة تقرأ بوصفها استثناء، بينما هي في الواقع امتداد لمسار لم يحسم بصورة كاملة.
وتكشف المقابلات أن الأزمة الراهنة ليست نتيجة قرار مفاجئ أو ظرف طارئ، بل حصيلة مسار طويل من التفاعل غير الحاسم، تداخلت فيه الأبعاد القانونية والسياسية، وتقدمت فيه أحياناً اعتبارات الضبط على اعتبارات الشراكة، في مقابل خطاب حزبي اتسم في كثير من الأحيان بالدفاع أكثر من المبادرة. وفي هذا السياق، لا يبدو أن التركيز على عامل واحد كالضغوط الخارجية أو الامتثال القانوني بأن يكون كافياً لتفسير ما يجري، إذ إن العلاقة بين الدولة والحزب تشكلت تاريخياً عند تقاطع القانون والسياسة والثقة، وأي اختلال في أحد هذه الأبعاد ينعكس مباشرة على البقية منها.
منهجيا، تعتمد هذه الورقة على مجموعة من المقابلات المعمقة مع فاعلين سياسيين وإعلاميين وأمنيين، إلى جانب قيادات حزبية حالية وسابقة، جرى توظيف مضامينها تحليليا، دون اللجوء إلى الاقتباس الحرفي، وبما يسمح بإنتاج قراءة تركيبية للسياق السياسي والمؤسسي. ولا تسعى هذه الورقة إلى تبني سردية طرف بعينه، بقدر ما تهدف إلى تفكيك أنماط التفكير المختلفة، ومقارنة مقارباتها، وإبراز نقاط الالتقاء والاختلاف بينها.
وانطلاقا من ذلك، تفترض هذه الورقة أن الإشكال القائم لا يمكن معالجته عبر حلول تقنية أو قرارات معزولة، بل يتطلب فهما أعمق لمسار تآكل العلاقة التاريخية، وحدود التغيير داخل الحزب، وخيارات الدولة تجاه الإسلام السياسي في المرحلة المقبلة. ولهذا، تعالج هذه الورقة مجموعة من المحاور تبدأ بتشخيص الإشكالية، مرورا بتحولات مقاربة الدولة، ودور العامل الخارجي، وجدلية التغيير الداخلي، وصولا إلى تحليل السيناريوهات الممكنة وتقديم توصية سياسية محايدة لصناع القرار.
- إشكالية الأزمة
تكشف المقابلات التي أجريت مع قيادات حزب جبهة العمل الإسلامي، إلى جانب نخب سياسية وإعلامية وشخصيات ذات خلفية أمنية، أن الإشكالية القائمة لا تبدأ عند السؤال عن الحل أو الإبقاء، بل عند اختلاف عميق في تعريف الأزمة نفسها. فبينما يتحدث كل طرف عن مفهوم الأزمة، فإن مضمون هذا المفهوم وحدوده يختلفان جذرياً من مقابلة إلى أخرى، بما يجعل الحوار السياسي أشبه بمسارات متوازية لا تلتقي عند نقطة واحدة.
من داخل الحزب، يبرز توصيف يميل إلى قراءة الأزمة من زاوية قانونية وإجرائية، حيث يجري التأكيد على الالتزام بقانون الأحزاب، وعلى أن أي إشكال ينبغي معالجته عبر أدوات التصويب القانوني والمؤسسي. هذا الخطاب، كما ظهر في المقابلات مع قيادات الحزب، ينطلق من افتراض مفاده أن المشكلة تكمن في سوء تفسير أو تشدد في تطبيق القواعد، لا في طبيعة الدور السياسي للحزب ذاته. غير أن هذا التوصيف بدأ، في بعض الأحيان، دفاعيا أكثر من كونه تفسيراً شاملاً، إذ ركز على نفي الاتهامات أكثر من تقديم قراءة نقدية لمسار العلاقة التاريخية مع الدولة.
في المقابل، قدمت بعض النخب السياسية والإعلامية، ومن بينها بسام بدارين، تشخيصا مختلفا لا ينفي البعد القانوني، لكنه يضعه في سياق أوسع. فوفق هذه القراءة، لا تكمن الإشكالية في نصوص القانون بحد ذاته، بل في تآكل الثقة السياسية بين الدولة والحزب، وفي غياب اتفاق واضح حول وظيفة الحزب ودوره داخل النظام السياسي. اللافت في هذا الطرح أنه لا يذهب إلى تبرئة أي من الطرفين، بل يلمح إلى مسؤولية متبادلة، حيث بقيت قواعد إدارة العلاقة قابلة لإعادة التقييم والتعديل، في مقابل خطاب حزبي ركز في كثير من الأحيان على تأكيد شرعية المشاركة أكثر من بلورة مبادرة سياسية جامعة.
أما المقاربات ذات الخلفية المؤسسية والأمنية، فتميل إلى توصيف الإشكالية بوصفها أزمة ضبط سياسي قبل أن تكون أزمة قانون. في هذا السياق، ينظر إلى الحزب باعتباره فاعلاً سياسياً لم يحسم بعد موقعه النهائي داخل النظام السياسي، الأمر الذي يجعل التعامل معه محفوفاً بالحذر. وتكشف المقابلات أن هذا التصور لا ينطلق بالضرورة من نية إقصاء الحزب، بقدر ما يعكس قلقاً من استمرار علاقة غير محسومة مع الحزب تنتج توتراً دورياً ومتكرراً بدلاً من ايجاد حالة استقرار طويل الأمد.
وفي هذا السياق، تبرز مداخلة زكي بني إرشيد، الأمين العام السابق لحزب جبهة العمل الإسلامي، بوصفها قراءة نقدية صادرة من داخل الإطار التنظيمي للحزب، تعكس وجود تيار داخلي يتحفظ على طريقة إدارة المرحلة الراهنة. ويكتسب هذا الصوت النقدي أهميته من كونه يصدر عن قيادي حزبي لا يزال ملتزماً في الإطار التنظيمي للحزب، وإن كان خارج مركز صنع القرار الحالي، مما يجعله معبرا عن توتر داخلي أكثر منه موقفاً فردياً. فطرح بني إرشيد لا ينطلق من موقع القطيعة أو الرفض المؤسسي، بقدر ما يركز على إشكاليات تنظيمية وسياسية تتعلق بآليات اتخاذ القرار داخل الحزب، وبكيفية إدارة العلاقة مع الدولة. ويكشف هذا الطرح أن الأزمة، كما تناقش داخل الحزب نفسه، لا تقتصر على ضغوط خارجية أو مقاربات رسمية، بل تمتد إلى نقاش داخلي حول حدود التكيف مع المستجدات، ومعنى الشراكة السياسية، وطبيعة الدور الذي ينبغي أن يقوم به الحزب في هذه المرحلة.
تكشف هذه القراءات المتقاطعة أن الأزمة الراهنة ليست نتاج خلاف على إجراء بعينه، بل نتيجة غياب تعريف مشترك للمشكلة. فالدولة، والحزب، والنخب السياسية، وحتى التيار الإسلامي نفسه، ينطلقون من افتراضات مختلفة حول طبيعة الدور السياسي للحزب، وحدود المعارضة، ومعنى الاندماج في النظام السياسي. وفي ظل هذا التباين، تبدو الحلول المطروحة سواء كانت احتواء أو إعادة هيكلة أو حسما قانونيا استجابة جزئية لمشكلة لم يتفق بعد على توصيفها بشكل واضح ودقيق. ويشير هذا التباين إلى أن الإطار القانوني، على الرغم من حضوره المتكرر في الخطاب، لم يتحول إلى مرجعية تفسيرية واحدة لطبيعة العلاقة، بقدر ما بقي مجالا لتعدد القراءات السياسية لمضمونه وحدوده.
- مقاربة الدولة في الاحتواء وانعدام الثقة
تظهر المقابلات مع النخب السياسية والشخصيات ذات الخلفية الأمنية أن الدولة الأردنية لم تتعامل مع حزب جبهة العمل الإسلامي بوصفه حالة استثنائية طارئة، بل كجزء من معادلة سياسية طويلة قامت، تاريخيا، على مبدأ الاحتواء المنضبط. غير أن هذا الاحتواء، كما تكشف المداخلات المختلفة، لم يكن سياسة ثابتة بقدر ما كان مساراً قابلا للمراجعة والتعديل تبعاً لتغير السياقات السياسية والأمنية. ويبدو أن التحول الراهن في مقاربة الدولة لا يعكس قطيعة مفاجئة، بل نتيجة لأسباب تراكمية لنقاش داخلي متراكم حول مدى كفاية الصيغة السابقة للعلاقة في الاستجابة لمتطلبات المرحلة الحالية.
ويمكن فهم هذا التحول في مقاربة الدولة ضمن سياق أوسع يتجاوز العلاقة مع حزب بعينه، ليعكس إعادة تقييم أشمل لوظيفة الأحزاب ودورها في المرحلة الحالية. فمع تقدم مشروع التحديث السياسي، برزت حاجة متزايدة إلى مواءمة التعددية الحزبية مع متطلبات الاستقرار والفاعلية، وهو ما جعل الدولة أكثر ميولاً إلى إعادة ضبط علاقتها مع الفاعلين السياسيين كافة، وليس فقط مع حزب جبهة العمل الإسلامي. وفي هذا الإطار، لا يبدو التحول الحالي تعبيراً عن تغيير جذري في الموقف، بقدر ما هو محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بما ينسجم مع أولويات جديدة، ومع تصور محدث لدور المعارضة داخل النظام السياسي.
ومن منظور مؤسسي، كما عبر عنه عدد من المسؤولين السابقين، لم يعد السؤال المطروح هو مدى قانونية وجود الحزب، بل مدى قابليته للاندماج الوظيفي داخل النظام السياسي. فالدولة، وفق هذا التصور، لا تنظر إلى التعددية السياسية بوصفها قيمة مجردة، بل كأداة لضبط المجال السياسي، وهو ما يجعلها أكثر حساسية تجاه الفاعلين الذين لا يحسمون موقعهم بين المعارضة البرلمانية المنظمة والعمل السياسي ذات الامتدادات الأوسع. وفي هذا السياق، برز اتجاه لإعادة تعريف العلاقة من منطق الاستيعاب العام إلى منطق إعادة الضبط المشروط.
في المقابل، يقرأ الحزب هذا التحول بوصفه تشدداً غير مبرر، وخروجا تدريجيا عن قواعد اللعبة السياسية التي سمحت له بالمشاركة لعقود سابقة. غير أن المقابلات تكشف أن هذا التباين في القراءة لا يعود فقط إلى اختلاف المصالح، بل إلى اختلاف توقعات كل طرف من العلاقة، فبينما ترى الدولة أن الاحتواء يجب أن ينتج استقراراً سياسياً طويل الأمد، يرى الحزب أن المشاركة السياسية بحد ذاتها كافية، حتى وإن لم تترافق مع تحول جوهري في الخطاب أو الوظيفة.
- الضغوطات الخارجية
برز القرار الأمريكي المتعلق بتقييم فروع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة اردنياً كأحد أكثر العناصر حضوراً في النقاش العام، إلا أن المقابلات تكشف تباينا واضحا في تقدير أثره الفعلي على الحالة الأردنية. فمن داخل الحزب، يجري التعامل مع هذا القرار بوصفه عاملاً خارجياً غير ملزم قانونياً، ويعاد التأكيد على أن المرجعية الوحيدة للعمل الحزبي هي القانون الأردني. هذا الخطاب يعكس حرصا على تثبيت مبدأ السيادة، لكنه يتجاهل، في نظر بعض النخب، التأثير غير المباشر لمثل هذه القرارات على بيئة صنع القرار.
في المقابل، يقدم بسام بدارين قراءة أقل حدية، ترى أن القرار الأمريكي لا يصنع الأزمة، لكنه يسلط الضوء عليها ويسرع نقاشاً كان مؤجلاً داخل الدولة. فالمشكلة، وفق هذا الطرح، ليست في الضغط الخارجي بحد ذاته، بل في ضعف التفاهمات الداخلية التي تجعل أي متغير خارجي عاملا مضاعفا للتوتر. ويذهب هذا التحليل إلى أن تحميل العامل الخارجي وزناً زائداً قد يستخدم لتبرير قرارات داخلية لم يحسم الجدل حولها بعد.
أما المقاربة الأمنية، فتميل إلى وضع العامل الخارجي ضمن سياق أوسع من الحسابات الاستراتيجية، حيث لا ينظر إليه كمحدد مباشر للقرار، بل كجزء من بيئة دولية تفرض على الدولة إعادة تقييم كلفة كل خيار. وفي هذا المعنى، لا يختزل القرار الأردني في استجابة لضغط، ولا يعزل عنه تماماً، بل يدار ضمن موازنة دقيقة بين الداخل والخارج.
- جدلية وأمكانية التغيير داخل الحزب
يشكل سؤال التغيير الداخلي أحد أكثر محاور هذه الورقة حساسية، إذ يكشف عن فجوة واضحة بين خطاب الحزب وقراءات النخب السياسية والمؤسسية. فمن جهة، تؤكد قيادة الحزب التزامها بمسار المراجعة عبر تعديل النظام الداخلي وتعزيز الحوكمة وتجديد القيادات وإجراء انتخابات داخلية. ويقدم هذا المسار بوصفه دليلاً على الجدية والاستعداد للتكيف مع متطلبات المرحلة.
غير أن المقابلات مع نخب سياسية وإعلامية تشير إلى أن هذا التغيير، رغم ضرورته، بقي في نظر كثيرين إجرائياً أكثر منه تحولا. فالتعديلات التنظيمية، ما لم تترافق مع إعادة تعريف واضحة للدور السياسي والخطاب العام للحزب، فقد تقرأ بوصفها استجابة ظرفية للضغط لا مساراً استراتيجياً طويل الأمد. ويبرز هنا شك متزايد في قدرة الحزب على تجاوز منطق الدفاع إلى منطق المبادرة السياسية.
وفي إطار النقاش حول الخيارات المتاحة أمام الحزب، تبرز مداخلة زكي بني إرشيد بوصفها مؤشراً على تعدد التيارات داخل البنية التنظيمية للحزب، لا على انقسام حاد أو خروج عن الإطار التنظيمي. فبني إرشيد يقدم مقاربة نقدية ترى أن بعض السياسات المتبعة في إدارة العلاقة مع الدولة قد لا تكون كافية لتفادي الكلف السياسية والتنظيمية على المدى القريب، دون أن يدعو إلى التصعيد أو القطيعة. ويعكس هذا الطرح وجود نقاش داخلي حول جدوى بعض الخيارات المطروحة، وحول الحاجة إلى إعادة تقييم آليات العمل السياسي، بما يحفظ موقع الحزب ودوره دون الانزلاق إلى خيارات حادة أو غير محسوبة.
- خيارات الدولة تجاه حزب جبهة العمل الإسلامي
اظهرت المقابلات أن الدولة الأردنية لا تتعامل مع حزب جبهة العمل الإسلامي ضمن ثنائية الإبقاء أو الحل فقط، بل ضمن طيف أوسع من الخيارات. فهناك إدراك مؤسسي بأن الإقصاء الكامل قد يخلق فراغاً سياسياً، ويضعف التعددية السياسية والبرلمانية، ويفتح المجال أمام أنماط احتجاج غير منظمة. وفي المقابل، هناك قناعة متزايدة بأن الإبقاء دون ضبط واضح قد يكرس حالة من الاستنزاف السياسي.
في هذا السياق، تتقدم مقاربة إدارة المخاطر على مقاربة إدارة الأزمة. فالدولة، كما تعكسه المقابلات، تبحث عن صيغة تقلل فيها الكلفة السياسية والأمنية، وتحافظ على الاستقرار العام، دون أن تمنح أي فاعل سياسي هامشا غير محسوب. ويضع هذا المنطق الحزب أمام اختبار حقيقي، إما التحول إلى معارضة مندمجة وظيفيا في النظام السياسي، أو البقاء في منطقة رمادية تغذي الشكوك حولها بدل أن تبددها.
وتظهر هذه المداخلات أن النقاش حول مصير ومستقبل حزب جبهة العمل الاسلامي وخياراته لا تدار فقط بين الدولة والحزب ككيانين منفصلين، بل يمتد إلى داخل الحزب نفسه، حيث توجد قراءات مختلفة لطبيعة المرحلة وحدود التكيف المطلوبة. وهو ما يضيف بعداً داخلياً مهماً لفهم خيارات الدولة أيضا، إذ إن التعامل مع الحزب لا ينحصر في قراءة موقفه الرسمي، بل يتطلب إدراك التفاعلات الداخلية في الحزب التي تؤثر في قدرته على الاستجابة أو التغيير.
السيناريوهات المتوقعة:
- السيناريو الأول: الاحتواء والتغيير المنضبط
يقوم هذا السيناريو على الإبقاء على الحزب ضمن الإطار القانوني، مع تشديد أدوات الضبط والرقابة. ويعد هذا المسار الأقل كلفة على المدى القريب، لأنه يحافظ على وجود معارضة منظمة ويمنع انتقال النشاط السياسي إلى خارج المؤسسات. غير أن ضعف هذا الخيار تكمن في احتمال تحوله إلى إدارة أزمة طويلة دون أفق تحولي واضح.
- السيناريو الثاني: اعادة الهيكلة
يفترض هذا السيناريو تسوية سياسية قانونية تعيد تعريف دور الحزب وموقعه داخل النظام السياسي. ويعد هذا المسار الأكثر انسجاما مع مشروع التحديث السياسي، لكنه يتطلب إرادة متبادلة ومعالجة حقيقية لبناء الثقة، إضافة إلى قدرة الحزب على تجاوز انقساماته الداخلية. مع استبعاد فكرة الاندماج مع اي من الأحزاب الاخرى، او اعادة تسمية الحزب بمسمى جديد تحمل نفس النهج التنظيمي والفكري للحزب.
- السيناريو الثالث: الحل القانوني
رغم حضوره في النقاش العام، يعد هذا السيناريو الأعلى كلفة، لما يحمله من مخاطر تتعلق بفراغ التمثيل السياسي، وإضعاف المعارضة البرلمانية، وتعزيز خطاب المظلومية لدى الحزب. وهو مسار قد يحسم الأزمة شكليا، لكنه قد يفتح أزمات اجتماعية أعمق على المدى المتوسط. وقد ازدادت حساسية هذه الأسئلة مع صدور القرار التنفيذي الأميريكي في شهر نوفمبر من العام 2025، الذي أعاد ملف جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة أردنياً) إلى الواجهة الدولية، وأثار نقاشا واسعا حول انعكاساته المحتملة على الحالة الأردنية. لكن قراءة القرار من زاوية قانونية أدق بحسب بعض المحللين القانونين تشير إلى أن أثره العملي في الحالة الأردنية يبقى محدودا، ليس فقط لطبيعة القرار ذاته، بل أيضا لغياب كيان قانوني قائم يمكن أن تنصرف إليه إجراءاته القانونية بشكل مباشر، بينما لم يعد ما يشار إليه كفرع أردني قائما من الناحية القانونية منذ العام 2020. وبغياب هذه الشخصية الاعتبارية، يفقد القرار هدفاً مؤسسياً يمكن أن تطبق عليه إجراءات جماعية مباشرة، ويحصر حتى ولو نظريا في نطاق استهداف أفراد، وفق منظومة العقوبات الأميركية التي تشترط إثبات دعم مادي فعلي أو تنسيق مباشر مع جهات مصنفة إرهابية.
وتنسجم هذه القراءة مع السوابق القضائية الأميركية التي أرست تمييزاً صارماً بين الدعم المنسق والخطاب السياسي المستقل، وهو تمييز يضعف فرضية أن يؤدي القرار التنفيذي، بذاته، إلى فرض التزامات قانونية مباشرة على الأردن تجاه حزب سياسي مرخص. في المقابل، يظهر المسار الأردني منذ العام 2020 اعتماد الدولة على معالجة قانونية وإدارية متدرجة، تستند إلى أحكام قضائية وتشريعات نافذة، وتسعى إلى إعادة تنظيم المجال السياسي دون اللجوء إلى قرارات إقصائية شاملة قد تحمل كلفة سياسية واجتماعية عالية في المستقبل.
وفي هذا السياق، تكتسب المراجعات التي تجريها الهيئة المستقلة للانتخاب منذ فترة مع الاحزاب السياسية للأنظمة الداخلية والتأسيسية للأحزاب أهمية خاصة، إذ تأتي في إطار تعزيز الانضباط التنظيمي وترسيخ الهيكلة الداخلية بما يتوافق مع قانون الأحزاب السياسية الأردنية رقم (7) لسنة 2022، ولا سيما المادة (5) التي تشير الى موضوع تأسيس الأحزاب على أسس دينية أو طائفية أو جهوية. وقد أكد رئيس الهيئة المستقلة للانتخاب، موسى المعايطة، أن جميع الأحزاب ستلتزم بتعديل أسمائها وبناها التنظيمية بما يتماشى مع أحكام القانون. وبالتالي، فإن هذه الإجراءات تشكل ركيزة تنظيمية داعمة للمسار المتوقع في هذا السيناريو، لأنها توفر أرضية قانونية وإدارية لإعادة الهيكلة، وتمنح عملية التسوية السياسية إطارا عمليا يمكن البناء عليه لضمان التحول نحو عمل حزبي وطني أكثر انسجاما مع مشروع التحديث السياسي.
وانطلاقا من التحليل السابق، توصي هذه الورقة باعتماد مقاربة تدريجية مؤسسية توازن بين متطلبات سيادة القانون وحماية الاستقرار السياسي، دون الانزلاق إلى حلول نهائية. ويقتضي ذلك تثبيت قواعد واضحة ومستقرة لإدارة العلاقة مع الحزب، قائمة على الامتثال القانوني المتبادل، وربط أي تغيير تنظيمي بمعايير قابلة للقياس، بدل إدارة الأزمة بمنطق الضغط المستمر أو التسويات المؤقتة. كما توصي الورقة بتمييز دقيق بين ضبط السلوك السياسي وتفكيك التمثيل السياسي، لما لذلك من أثر مباشر على مسار مشروع التحديث السياسي والثقة العامة بعملية الاصلاح السياسي. وفي المقابل، ينتظر من الحزب الانتقال من خطاب الدفاع إلى خطاب المبادرة، عبر تقديم تصور عملي لدوره كمعارضة وطنية برامجية بناءة، بما يخفف من الشكوك حوله ويعيد بناء الثقة تدريجيا. وبالتالي فان إدارة هذه المرحلة تتطلب مقاربة هادئة تقلل الكلفة السياسية، وتحافظ على التعددية السياسية، وتمنع انتقال الأزمة من الإطار المؤسسي إلى المجال المفتوح.
الخاتمة
تكشف هذه الورقة أن الجدل حول مستقبل حزب جبهة العمل الإسلامي يتجاوز خيار الحل أو الإبقاء عليه، ليعكس أزمة تعريف وأزمة ثقة في العلاقة بين الدولة والإسلام السياسي ضمن سياق ومسار التحديث السياسي. فالمقابلات والتحليل تظهر تبايناً واضحا في تشخيص المشكلة، ليس فقط بين الدولة والحزب، بل داخل التيار الإسلامي نفسه، وبين النخب السياسية والإعلامية والأمنية الأردنية المختلفة. وفي ظل هذا التباين، تبدو المقاربات الفردية عاجزة عن إنتاج استقرار مستدام. وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في اتخاذ قرار حاسم بقدر ما يكمن في إدارة التحول، من احتواء غير محدود إلى شراكة سياسية مشروطة وواضحة، تحفظ سيادة القانون، وتصون التعددية السياسية، وتبقي السياسة داخل مؤسساتها. وفي المحصلة، لا تسعى هذه الورقة إلى ترجيح سيناريو بعينه بقدر ما تهدف إلى توضيح كلفة كل خيار وحدوده السياسية. فالتعامل مع حزب جبهة العمل الإسلامي، كما تظهر المقابلات والتحليل، يظل جزءا من نقاش أوسع حول إدارة التعددية السياسية، وحدود الاحتواء، ووظيفة المعارضة في النظام السياسي الأردني. ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة ناجحة لا يمكن أن تقوم على الحسم السريع أو الحلول الصفرية التي تفترض مكسب طرف مقابل خسارة كاملة لطرف آخر، بل على إدارة تحول متدرج يحفظ الاستقرار، ويصون المجال السياسي، ويبقي الخلاف داخل الأطر المؤسسية، بوصفه شرطا من شروط التحديث السياسي لا عائقا أمامه. وفي هذا المعنى، تعكس هذه الورقة محاولة لفهم الأزمة كما يراها الفاعلون السياسيون أنفسهم، لا كما يفترض أن تكون عليه في الخطاب العام.
المصادر:
أولاً: المقابلات
تعتمد هذه الورقة على مقابلات معمقة أجريت خلال شهري يناير وفبراير 2026 مع:
- الإعلامي بسام بدارين، مدير مكتب القدس الربي في عمّان.
- الدكتور رامي العياصرة، عضو حزب جبهة العمل الإسلامي.
- الدكتور سعود الشرفات، مدير مركز شرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب، عمّان/الأردن.
- الأستاذ زكي بني إرشيد، الأمين العام السابق لـ حزب جبهة العمل الإسلامي.
- معالي الأستاذ سميح المعايطة، وزير الدولة الأسبق والناطق الرسمي باسم الحكومة.
- المهندس وائل السقا، الأمين العام لـ حزب جبهة العمل الإسلامي.
ثانيًا: مقالات صحفية
- سائد كراجة، “ترامب.. الإخوان وخيارات الأردن”، صحيفة الغد، عمّان، 13 كانون الأول/ديسمبر 2025. متاح على الرابط: