قراءة في تعثّر مشروع اندماج ستة أحزاب وسطية

11/25/2025
المصدر: فريق عمل المرصد

شهدت الساحة الحزبية الأردنية بعد انتخابات مجلس النواب لعام 2024 حراكاً متسارعاً في عمليات الاندماج الحزبي، في سياق إعادة تشكيل الخريطة السياسية وتعزيز حضور الكتل القادرة على المنافسة والتمثيل. فقد اندمج حزبا الأنصار ونماء، كما توحّد حزبا إرادة وتقدّم تحت مظلة حزب مبادرة. وسبق ذلك التحاق حزبي الأرض المباركة والشباب الأردني بـ حزب الاتحاد الوطني. وفي هذا المناخ المشجّع على إعادة هيكلة المشهد الحزبي، برزت مبادرة لاندماج سبعة أحزاب وسطية كان يُعوّل عليها لتشكيل إطار سياسي أوسع وأكثر تأثيراً. غير أن المشروع تعثّر في مراحله الأولى، وهو ما يستدعي قراءة معمّقة للعوامل التي أدت الى ذلك.
أولاً: ملامح الأحزاب المشاركة في مشروع الاندماج
ضمّ المشروع سبعة أحزاب هي: الشورى، النهج الجديد، العدالة والإصلاح، البناء والعمل، الوحدويون الديمقراطي، التكامل الوطني، إضافة إلى الحزب المدني الديمقراطي الذي انسحب مبكراً نتيجة اختلافات في الرؤية والتوجهات القيمية. فالحزب المدني ينتمي إلى يسار الوسط بنزعة مدنية–ليبرالية، على خلاف بقية الأحزاب الستة التي تمثّل تياراً وسطياً محافظاً.
ووفقاً لتصريحات الدكتور فايز بصبوص، الأمين العام لحزب التكامل الوطني، تمحورت الفكرة الأساسية للمشروع حول تأسيس كيان حزبي جديد بالكامل يحمل اسم “حزب مسار”، بحيث تذوب الأحزاب الستة ضمن عملية اندماج مؤسسي متكامل. إلا أن مبادرة حزب العدالة والإصلاح إلى تغيير اسمه إلى “مسار” بصورة منفردة شكّلت نقطة التحوّل في مسار المشروع، إذ اعتُبرت الخطوة انحرافاً عن الاتفاق المبدئي وتقويضاً لمنطق التأسيس المشترك، ما أدى إلى استبعاده من العملية. ورغم ذلك، استمرت المشاورات بين خمسة أحزاب هي: الشورى، النهج الجديد، البناء والعمل، الوحدويون الديمقراطي، والتكامل الوطني بهدف استكمال الحوار حول تأسيس إطار تنظيمي جديد.
ثانياً: الخلافات الداخلية ومسار الانسحابات
رافقت تعثّر المشروع سلسلة من الروايات الإعلامية التي ربطت الخلافات باعتبارات انتخابية تتعلق بتوزيع المقاعد وترتيب القوائم المتوقعة في الانتخابات المقبلة. وقد أشارت بعض التقارير إلى مطالبة أحد الأطراف بتوقيع “وثيقة شرف” منذ المراحل الأولى بهدف ضبط موقع المرشحين في القوائم الحزبية الموحدة، بما في ذلك منح أحد الأمناء العامين صدارة القائمة مقابل تحمّله العبء الأكبر من التمويل الانتخابي. إلا أن هذا الطرح قوبل برفض من أحزاب اعتبرت الخطوة محاولة لفرض شروط مسبقة تمسّ توازن العملية الاندماجية.
غير أن قيادات حزبية مشاركة في الحوار نفت وجود ترتيبات انتخابية كعامل رئيسي في الخلاف، معتبرة أن جوهر الأزمة يكمن في تغيير حزب العدالة والإصلاح لاسمه إلى “مسار”، وهو الاسم الذي كان محل توافق أولي لاعتماده للحزب الجديد. وقد أثارت هذه الخطوة انطباعاً بأن عملية الاندماج ستتم عملياً داخل حزب قائم يحمل التسمية الجديدة، بدلاً من تشكيل حزب مشترك ينهض من نقطة تأسيسية واحدة.
وتعزّز هذه المقاربة تصريحات زيد أبو زيد، أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار (العدالة والإصلاح سابقاً)، الذي أوضح أن الحزب كان جزءاً من مسارين متوازيين: المشاركة في مشروع الاندماج من جهة، والتشاور مع مجموعة تعمل على تأسيس حزب جديد يحمل الاسم ذاته من جهة أخرى. وبعد توافق أولي بين الأطراف على اسم مسار، توجّه ممثلو الأحزاب إلى الهيئة المستقلة للانتخاب لحجزه، إلا أن الهيئة أوضحت أن الحجز لا يتم قبل اكتمال إجراءات الاندماج، ما دفع الحزب إلى تغيير اسمه لضمان الحق القانوني فيه.
وبحسب أبو زيد، فإن الإعلان الرسمي عن التغيير لم يصدر عن الحزب، إلا أن نشره في الجريدة الرسمية عمّمه إعلامياً وأثار ردود فعل سلبية لدى بعض الأطراف التي اعتبرت الخطوة محاولة لفرض الأمر الواقع. ورغم نفي الحزب لأي نية للانفراد أو الهيمنة، أكّد أبو زيد صعوبة التراجع عن الاسم بعد دخوله حيز النفاذ القانوني، رافضاً مطالب بإجراء تعديل جديد أو تقديم التزامات سياسية ترتبط بالقيادة المستقبلية.
خاتمة: دلالات التجربة ومتطلبات الاندماجات المستقبلية
تؤشر تجربة تعثّر اندماج الأحزاب الوسطية إلى أن التحدّي الرئيس لا يكمن في ضعف التقارب الأيديولوجي، بل في هشاشة الثقة المتبادلة وغياب آليات الحوكمة الداخلية القادرة على إدارة مسارات الاندماج بنضج مؤسسي. فقد أظهرت التفاصيل التنظيمية والإجرائية التي عطّلت المشروع حجم الفجوة في قدرة هذه الأحزاب على إدارة التحوّل التنظيمي وبلورة شراكة مستقرة بين قياداتها. كما تعكس التجربة جانباً من التحديات البنيوية التي يواجهها المشهد الحزبي الأردني في مرحلة إعادة الهيكلة، حيث لا تزال العديد من الأحزاب تعمل ضمن أنماط قيادية تقليدية يغلب عليها الطابع الشخصي وضعف العمل الجماعي، وهو ما يحدّ من إمكانية الانتقال إلى كيانات سياسية أكبر وأكثر فعالية.
 وتبرز من هذه التجربة مجموعة من المتطلبات الضرورية لنجاح مشاريع الاندماج مستقبلاً، أبرزها
– تعزيز الثقة المؤسسية بين الأطراف 
– الاتفاق على آليات واضحة لاتخاذ القرار وتوزيع الأدوار
– تبنّي مقاربات تنظيمية أكثر نضجاً تتجاوز الحسابات الفردية قصيرة المدى
إن البناء على هذه المتطلبات من شأنه توفير بيئة أكثر استقراراً للاندماجات الحزبية، وتمكين التيار الوسطي من تشكيل كيانات سياسية قادرة على المنافسة والمساهمة الفاعلة في الحياة السياسية.

شارك الخبر

قراءة في تعثّر مشروع اندماج ستة أحزاب وسطية

11/25/2025
المصدر: فريق عمل المرصد
الدكتور فايز بصبوص، الأمين العام لحزب التكامل الوطني