“رفاق” في أروقة المحاكم قراءة في الأزمة الداخلية للحزب الديمقراطي الاجتماعي

04/24/2026

تصاعد الخلاف داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني إلى مستوى قضائي غير مسبوق، بعدما لجأ تيار المؤسسين، الذي يقوده جميل النمري، إلى المحكمة الإدارية للطعن في شرعية المؤتمر الذي عُقد مطلع نيسان/أبريل بحجة انعقاده بشكل منفرد من قبل التيار الآخر بقيادة العين مصطفى الحمارنة.

ويستند الطعن الذي قُدّم للمحكمة الإدارية إلى أكثر من خمسين مخالفة للنظام الداخلي وفقاً لتيار المؤسسين، مع المطالبة بإلغاء جميع النتائج المترتبة على المؤتمر، في مؤشر على انتقال الأزمة من خلاف تنظيمي داخل الحزب إلى نزاع قانوني مفتوح. وتأتي هذه التطورات في سياق من التراكمات السياسية والتنظيمية التي تمتد جذورها إلى مرحلة الاندماج بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وتيار التنمية والتحديث، وما ترتب على نتائج الانتخابات النيابية لعام 2024 وما أعقبها من استقالات وانقسامات، مما وضع الحزب أمام أزمة تمس وحدته الداخلية وتكشف عن تعثر واضح في آليات التقاضي الحزبي وفض النزاعات الداخلية.

يسعى هذا التقرير إلى تفكيك أسباب التصعيد داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني، من خلال تتبّع مسار الخلاف بين جناحيه، وتحليل العوامل التنظيمية والسياسية التي قادت إلى انتقال النزاع من الإطار الداخلي إلى ساحة القضاء الإداري. كما يهدف إلى فحص طبيعة المخالفات المثارة، ودلالات الطعن بشرعية المؤتمر الحزبي، وحدود فاعلية آليات إدارة الخلاف داخل الحزب.

 

أولاً: الأجنحة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي

أفرزت القضية المرفوعة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني انقساماً داخلياً واضحاً بين تيارين رئيسيين، لكل منهما خلفيته السياسية ورؤيته القيمية وخياره الاقتصادي، من دون أغفال أثر “الدوافع الشخصية” الكامنة وراء الخلاف، أو على الأقل، تعثر فرض حله واحتوائه.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن أزمة الحزب لم تعد تقتصر على خلاف تنظيمي عابر، بل تتكشّف عن تباين في المرجعيات والتصورات داخل الحزب نفسه، بين جناح المؤسسين الذي يستند إلى هوية الحزب التقليدية، والجناح الآخر الذي ارتبط بمسار الاندماج الذي جرى في 29 كانون الثاني/يناير 2024، حين توافق الحزب الديمقراطي الاجتماعي مع تيار التنمية والتحديث – تحت التأسيس – على الاندماج. ومن هنا، تتجه هذه القراءة إلى تعريف التيارين وتبيان أبرز خصائص كل منهما، بوصف ذلك مدخلاً لفهم طبيعة الخلاف داخل الحزب وحدود التمايز بين جناحيه، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار تبدل بعض الاصطفافات.

يمثل جناح المؤسسين في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الامتداد الأوضح لهويته الأصلية منذ تأسيسه عام 2016، بوصفه أحد الأحزاب المدنية المبكرة التي تبنت منذ البداية نهج الديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي، وقد ضم هذا الجناح في صفوفه خليطاً من اليساريين والشيوعيين السابقين، إلى جانب شخصيات ديمقراطية وليبرالية، ما جعله يتموضع ضمن يسار الوسط سياسياً وفكرياً. ويستند هذا الجناح إلى تصور قيمي يقوم على الجمع بين الحرية والعدالة باعتبارهما مبدأين متكاملين، مع التأكيد على أن الإصلاح السياسي وتوسيع المشاركة العامة وتكافؤ الفرص ركائز لبناء دولة مدنية أكثر توازناً وإنصافاً.

وعلى المستوى الاقتصادي، يتبنى جناح المؤسسين اقتصاد السوق الاجتماعي باعتباره صيغة وسطية ترفض الليبرالية الاقتصادية “المتوحشة” كما ترفض الاشتراكية حيث تهيمن الدولة على النشاط الاقتصادي، بوصفها أكبر “رب عمل”. فهو يقبل بالملكية الخاصة والمنافسة الحرة، لكنه يربطهما بضوابط حكومية تضمن العدالة الاجتماعية وتمنع الاحتكار وتحد من التضخم والبطالة، مع إعطاء أولوية لتطوير التعليم والصحة والنقل والضمان الاجتماعي. وبذلك، يتموضع هذا الجناح فكرياً بين الليبرالية والاشتراكية المركزية، ساعياً إلى تطوير نموذج يوازن ما بين كفاءة السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

في المقابل يمثل الجناح الثاني، الذي يمكن توصيفه بـ“جناح تيار “التنمية والتحديث”، الامتداد السياسي لمشروع تيار التنمية والتحديث بعد اندماجه مع الحزب، وهو تيار يتسم بطابع براغماتي هادئ في البناء والتنظيم، وبغياب التأطير الأيديولوجي الصارم مقارنة بجناح المؤسسين. فعلى المستوى القيمي، يركز هذا الجناح وفقاً للنظام الأساسي لمشروع حزب التنمية والتحديث قبل اندماجه، على مركزية الفرد وحرياته، وعلى سيادة القانون بوصفها المرجعية الناظمة للحياة العامة، مع تأكيد واضح على قيم المواطنة الجامعة ورفض الهويات الفرعية الضيقة. ويبرز في خطابه انحياز قوي لمنظومة الحريات المدنية وحقوق الإنسان، مع تصور يعتبر أن إطلاق حرية الفرد ضمن إطار القانون هو المدخل الأساسي لتحقيق التقدم الاجتماعي والسياسي.

أما من حيث التوجه الاقتصادي، فعلى الرغم من تقاطعه مع بعض مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي، إلا أن هذا الجناح يبدو أقرب إلى النمط الليبرالي، سواء في نظرته إلى السوق كأداة رئيسية لخلق الثروة وتوزيعها وتعزيز خيارات الأفراد، أو في تقليصه لدور الدولة المباشر في إدارة النشاط الاقتصادي. فهو يدعم المنافسة ويرفض الاحتكار، ويؤكد على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري والخدمات الأساسية، لكن ضمن تصور يمنح السوق دوراً أوسع ويحد من التدخل الحكومي الصارم، في مقابل رفضه أيضاً للنموذج الاشتراكي القائم على هيمنة الدولة. وبذلك، يتميز هذا الجناح بتموضعه القيمي الأقرب إلى الليبرالية المدنية، رغم بعض تقاطعاته مع مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي.

 

ثانياً: مسار الخلافات الداخلية

 

لفهم التصعيد الراهن داخل الحزب، لابد من تتبّع جذور الأزمة ضمن مسار زمني تراكمي يبدأ من مرحلة الاندماج نفسها وما تلاها، حيث تشير بعض المصادر إلى أن تيار “التنمية والتحديث” بدأ المعركة مبكراً، عندما طرح منذ البداية شرطاً غير معلن يقضي بعدم ترشح شخصيات رئيسية من الحزب الديمقراطي الاجتماعي لمنصب الأمين العام، في حين ترى مصادر أخرى في المقابل، أن لدى بعض نخب الحزب قبل الاندماج تصوراً احتوائياً/إلحاقياً، افترض أن اندماج تيار التنمية والتحديث سيقوده إلى الذوبان داخل البنية القائمة، غير أن هذا التقدير لم يتحقق، نظراً لامتلاك تيار “التنمية والتحديث” مواقفه وبرامجه وسياساته وأنماطه الخاصة، مع الإشارة إلى أن تيار التنمية والتحديث قَبِل الاندماج تحت اسم الحزب ذاته، الحزب الديمقراطي الاجتماعي، من دون المطالبة بتغييره.

وخلال مرحلة ما قبل الانتخابات النيابية لعام 2024؛ برزت تباينات واضحة ناتجة عن انقسام بين اجنحة الحزب خلال إعداد القوائم الانتخابية، تمحورت حول معايير اختيار المترشحين، إلا أنها بقيت ضمن “دائرة الاحتواء”، ولم تتبلور بعد في صورة انقسام تنظيمي صريح. ومع إعلان نتائج الانتخابات، دخل الحزب مرحلة توتر متصاعد، عندما لم تتمكن قائمة “التيار الديمقراطي” من تجاوز “عتبة الحسم”، مكتفية بنحو 23,551 صوتاً، وهو ما اعتُبر داخلياً نتيجة مخيبة. وقد أدى ذلك إلى تصاعد حالة المساءلة داخل الأطر الحزبية، حيث حمّلت قطاعات من الكوادر القيادة مسؤولية الإخفاق، ما أضعف موقعها وفتح المجال أمام إعادة توزيع موازين القوى الداخلية.

في أعقاب ذلك، انتقل الحزب إلى مرحلة التصدّع التنظيمي، التي تجلت في موجة استقالات متلاحقة، من أبرزها استقالة الأمين العام آنذاك سمر دودين، في مؤشر على تعمّق حالة عدم الاستقرار الداخلي. وبالتوازي، تصاعدت الخلافات داخل الأطر القيادية وانتقلت من مستوى التباين السياسي إلى مستوى الإجراءات التنظيمية، حيث شكّل قرار فصل القيادي في الحزب، بسام حدادين محطة مفصلية في مسار الأزمة. فقد اتُخذ القرار داخل المكتب السياسي بأغلبية 8 أصوات مقابل 6 معارضة وغياب 6 أعضاء، بما يعكس انقساماً واضحاً. وارتبط القرار بخلاف حول تقييم حدادين لترشيح آسيا ياغي -وهي من تيار التنمية والتحديث- لمنصب الأمين العام، إذ اعترض حدادين على الترشيح بدعوى عدم توفر الخبرة السياسية الكافية، في حين قُدّم قرار الفصل بوصفه استجابة لمخالفة تنظيمية.

في المقابل، قدّم حدادين رواية مغايرة، معتبراً أن مداخلاته جاءت ضمن نقاش داخلي ولم تتضمن إساءة شخصية، وأن قرار فصله لم يستوفِ شرط الأغلبية المطلقة المنصوص عليها في النظام الداخلي، فضلاً عن عدم منحه فرصة كافية للدفاع عن موقفه، وغياب مبدأ التدرج في العقوبات. كما رفض حدادين اللجوء إلى المحكمة الحزبية، مشككاً في استقلاليتها في ظل التوازنات القائمة.

في مرحلة لاحقة، تبلور هذا الاستقطاب في صورة تيارين رئيسيين: تيار “التنمية والتحديث”، والذي كان يهيمن على المكتب السياسي السابق ويضم شخصيات من بينها مصطفى الحمارنة وآسيا ياغي، وتيار “المؤسسين” الذي يستند إلى شرعية التأسيس ويضم عدة شخصيات من بينها جميل النمري. وبلغ هذا الانقسام ذروته خلال انتخابات المجلس العام والمكتب التنفيذي، التي جرت وفق نظام القائمة النسبية المفتوحة، حيث تشكّلت قائمتان تمثلان التيارين: قائمة “وحدة التيار” التي تمثل تيار المؤسسين، وقائمة “الديمقراطية الاجتماعية” التي تمثل تيار “التنمية والتحديث”، غير أن العملية شابها إشكاليات تنظيمية تتعلق بقائمة المؤسسين، تمثلت في عدم تسديد بعض الأعضاء لاشتراكاتهم المالية وعدم تطابق بعض الأسماء مع السجلات الرسمية وأن بعضهم تبين أنهم ليسوا بالحزب اصلاً وفقاً لمصادر تيار “التنمية والتحديث”، وهو ما نفته مصادر “المؤسسين”، ما أدى إلى إلغاء القائمة دون منح مهلة كافية لتصويب الأوضاع، ونتيجة لذلك، فازت قائمة تيار “التنمية والتحديث”  بالتزكية، ما انعكس مباشرة على تشكيل الهيئات القيادية.

أفضت هذه التطورات إلى انتقال الخلاف من مستوى التنافس التنظيمي إلى مستوى الطعن في شرعية الإجراءات، حيث تشكّلت سرديات متعارضة حول قانونية ما جرى ومدى الالتزام بالنظام الداخلي. ومع تآكل الثقة بفاعلية آليات تسوية النزاعات الداخلية وتزايد فقدان الثقة بين التيارات، تهيأت الظروف للجوء إلى القضاء.

 

ثالثاً: مداخل عامة لفهم الأزمة الداخلية داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي

تُظهر التجربة أن الانقسامات داخل الأحزاب المدنية لا يمكن فهمها من زاوية فكرية أو تنظيمية واحدة، بل من خلال اربعة مداخل رئيسية تتداخل فيما بينها تتمثل فيما يلي:

  1. المدخل القيمي

تشير مصادر مطلعة إلى وجود تباين في القيم والتوجهات السياساتية بين جناح المؤسسين وجناح تيار “التنمية والتحديث”. فالأول يُنظر إليه بوصفه أكثر صرامة من ناحية التأطير القيمي لنظريات اقتصاد السوق الاجتماعي ومبادئ الديمقراطية الاجتماعية، بينما يميل التيار الثاني إلى رؤية سياسية واقتصادية أكثر ليبرالية.

ولم يكن هذا التباين فكرياً فحسب، بل وأفضى ذلك إلى خلاف واختلاف على  فهم قواعد الانتساب، وآليات الاستقطاب، داخل كل من الحزبين: الحزب الديمقراطي الاجتماعي خلال مرحلة توفيق الأوضاع والتوسع في استقطاب عضويات جديدة، وحزب تيار التنمية والتحديث خلال مرحلة التأسيس وقبل اندماجه.

اعتمد حزب تيار التنمية والتحديث إلى ما يمكن أن يطلق عليه تعبير الاستقطاب الابتدائي عبر استهدف أفراد بلا خلفيات سياسية سابقة، ولا سيما من فئة الشباب، بهدف إدخالهم تدريجياً إلى البنية الفكرية للحزب، في المقابل اعتمد الحزب الديمقراطي الاجتماعي على نمط الاستقطاب الموجه لفئات اجتماعية أقرب إلى الهوية السياسية للحزب، وذلك حفاظاً على التماسك السياسي والفكري للحزب، بيد أن هذا النمط لم يكن صارماً على ما يبدو، ما مكّن كثيرين من دخول الحزب، من دون هضم طروحاته ومنطلقاته.

تُشير بعض المصادر المطلعة إلى أن جناح تيار “التنمية والتحديث” بعد اندماج الحزبين كان يمتلك قدرة تمويلية أعلى أتاحت له تمويل فعاليات وأنشطة استقطابية وهو ما أسهم لاحقاً في توسيع حضوره وتعزيز نفوذه داخل الحزب، ومع تكرار موجات الاستقالات بين الكوادر القيادية الفكرية، تراجع، بحسب المصادر نفسها، الوزن الفكري والقيمي للحزب، مما أثار حفيظة قطاع واسع من التيار الديمقراطي الاجتماعي التقليدي داخله. ومع ذلك، ترى مصادر أخرى أن جوهر الخلاف لا يعود بالدرجة الأولى إلى تباينات قيمية أو فكرية، بل إلى خلافات شخصية بين الأفراد أكثر من كونها صراعاً بين المراكز أو التيارات.

  1. مدخل الأقطاب المركزية المتدافعة

تشير المصادر إلى أن ضعف التيار المدني لا يعود بالأساس إلى اختلافات قيمية حادة، بقدر ما يرتبط بطبيعة النخب السياسية المنخرطة فيه؛ إذ يغلب على هذه النخب نمط العمل الفردي خارج الأطر التنظيمية المؤسسية، ما يجعل الأحزاب والتحالفات هشة وسريعة التشقق، مع بروز أجنحة داخلها حتى في مراحلها المبكرة.

كما تتكرر الإشارة إلى أن النخب السياسية داخل الأحزاب لا تزال أقرب إلى كونها نخباً فردية متفرقة، لا تياراً سياسياً متماسكاً يمتلك مراكز واضحة ومرجعية تنظيمية مستقرة. وتُظهر التجربة أن غياب ثقافة حزبية راسخة، إلى جانب هيمنة الشخصيات المتنفذة والمستقلين والبيروقراطيين على حساب منطق العمل الجماعي، قد أسهم في تحويل الخلافات من صراع بين برامج وسياسات إلى خلافات شخصية بين الفاعلين أنفسهم.

  1. التباين في المواقف السياسية وطرق التعبير عنها

كما تشير بعض المصادر المطلعة إلى وجود تباينات داخل الحزب في ما يتعلق بأسلوب إدارة المواقف السياسية وآليات التعبير عنها، إذ يميل أحد الاتجاهات إلى التحفّظ والتريث في إصدار البيانات واتخاذ المواقف، في حين يرى اتجاه آخر أن الحضور السياسي للحزب يقتضي قدراً أعلى من التفاعل والتعليق العلني على القضايا العامة. وتعكس هذه التباينات، في جانب منها، تنوع الخلفيات السياسية داخل الحزب، ولا سيما تلك ذات الجذور اليسارية السابقة، الأمر الذي أسهم في تشكيل أنماط مختلفة من التفكير السياسي لدى نخب الحزب.

وبحسب المصادر نفسها، لا يزال بعض أعضاء “تيار المؤسسين” متأثراً بالأدبيات والممارسات اليسارية التقليدية، ويقارن أداء الحزب بأداء أحزاب يسارية معروفة بكثافة بياناتها وتصريحاتها، وهو ما يدفعه إلى المطالبة بتعزيز الحضور الإعلامي للحزب من خلال زيادة عدد البيانات والتعليقات السياسية، باعتبار أن ذلك يعكس فاعليته وتفاعله مع الشأن العام. في المقابل، يتمسك الاتجاه الآخر برؤية مغايرة، مفادها أن الإفراط في إصدار البيانات قد يؤدي إلى إضعاف قيمتها الرمزية والسياسية، ويؤكد على أهمية الانتقائية في التعبير والحفاظ على وزن البيان الحزبي.

وتضيف مصادر أن تيار “التنمية والتحديث” يميل إلى تغليب التزام الحزب بالخط العام المتناغم مع توجهات المؤسسات الرسمية، مع ضبط إيقاع الخطاب السياسي وتجنب المزايدة، خصوصاً في القضايا الإقليمية الحساسة، كالقضية الفلسطينية على سبيل المثال. غير أن هذا الطرح لا يحظى بقبول لدى “الاتجاه الراديكالي” وفقاً للمصدر داخل الحزب، وهو ما يعكس استمرار حالة التباين الداخلي في مقاربة العمل السياسي وحدود التعبير عنه.

  1. ضعف الهياكل المؤسسية والبنى الحزبية

على الرغم من أن الحزب يمتلك بنية تنظيمية متقدمة ومفصلة في نظامه الأساسي، تشمل الأطر القيادية واللجان والمكتب السياسي والمحكمة الحزبية، ومصممة لتكريس الديمقراطية الداخلية وتنظيم العمل الحزبي، إلا أن هذه البنى لم تحقق الفاعلية المتوقعة في إدارة الخلافات أو ضبط الحوار الداخلي. فقد بقي حضورها العملي أقل من مستواها النظري، ولم تنجح بالكامل في فرض الانضباط أو توجيه المسار السياسي داخل الحزب.

يرتبط هذا الضعف بعاملين متداخلين: الاستقطاب الداخلي والفتور التنظيمي. إذ أسهمت حالة الاستقطاب القطبي في إضعاف المؤسسات التي يفترض أن تنظّم الخلاف وتحتكم إليها النزاعات، بما في ذلك المحكمة الحزبية، بينما زاد الفتور العام لدى الكوادر، بفعل تفشي الخيبة من نتائج الانتخابات 2024، إضافة إلى تأثير الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وهو ما انعكس سلباً على مستوى الحماس والمشاركة الحزبية وحتى السياسية عموماً، كما تشير المصادر.

وبهذا المعنى، نشأت علاقة عكسية بين حيوية الكوادر وفعالية المؤسسات؛ فحين يتراجع الحماس والمتابعة، تتآكل قدرة البنى على أداء دورها، ويتحول الاستقطاب والانقسام الداخلي، من ظاهرة يمكن احتواؤها إلى عامل يفاقم الهشاشة التنظيمية. ومن هنا يتضح أن امتلاك هياكل تنظيمية متقدمة لا يكفي بحد ذاته، ما لم يقترن بحماسة فاعلة لدى الكوادر وثقافة تنظيمية تحترم آليات اتخاذ القرار وتعلو بها فوق الاستقطابات الداخلية.

الخلاصات والاستنتاجات

  • الأزمة داخل الحزب لم تعد خلافاً تنظيمياً عابراً، بل أصبحت أزمة شرعية وتمثيل واتجاه سياسي.
  • الاندماج الذي كان يفترض أن يعزز قوة التيار المدني أظهر قدرة تنظيمية محدودة على دمج الهويات السياسية المختلفة داخل بنية واحدة.
  • الانقسام الحالي يكشف أن التعدد داخل الحزب لم يُدار عبر قواعد مستقرة لتقاسم النفوذ وتسوية الخلاف.
  • نتائج الانتخابات النيابية 2024، تحولت إلى عامل إعادة تشكيل للتوازنات الداخلية.
  • الاستقالات والقرارات التأديبية زادت من تعميق الانقسام بدل تهدئته.
  • وجود نظام داخلي متقدم لا يكفي وحده لضبط الحزب إذا غابت الثقة والالتزام العملي بقواعده.
  • حالة الفتور السياسي لدى كوادر الحزب ساهمت في إضعاف العمل المؤسسي مما شكل بيئة خصبة لتنامي حالة الاستقطاب.
  • التباين بين الجناحين يتجاوز التفاصيل الإجرائية إلى اختلاف في الرؤية القيمية وطريقة فهم الدور الحزبي.
  • الاتجاه إلى الاحتكام للقضاء يعكس انسداداً في قنوات التسوية الداخلية، وانعدام الثقة بالمحكمة الحزبية.

 

الخاتمة

تكشف هذه الأزمة أن الحزب الديمقراطي الاجتماعي يقف أمام لحظة مفصلية، إذ لم يعد الخلاف داخله محصوراً في التنافس على المواقع، بل بات يمسّ تعريف الحزب نفسه: هويته، ومرجعيته، وطبيعة التحالف الذي قام عليه. وفي ضوء استمرار الاستقطاب وتعثر التسوية، يبدو أن الحزب يقف أمام مسارات ثلاثة: (1) استمرار الانقسام مع بقاء الخلاف مفتوحاً… (2) لجوء أحد الجناحين إلى الاستقالة والانتساب إلى حزب مدني قائم ينسجم أكثر مع توجهاته السياسية والتنظيمية… (3) الذهاب إلى تأسيس حزب مدني جديد يعيد تجميع الكوادر المنسحبة تحت إطار مستقل. ويظل أي من هذه السيناريوهات معبّراً عن نتيجة واحدة أساسية، وهي أن الأزمة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب المدنية على إدارة التعدد الداخلي من دون أن يتحول إلى تفكك بنيوي.

 

 

 

تصاعد الخلاف داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني إلى مستوى قضائي غير مسبوق، بعدما لجأ تيار المؤسسين، الذي يقوده جميل النمري، إلى المحكمة الإدارية للطعن في شرعية المؤتمر الذي عُقد مطلع نيسان/أبريل بحجة انعقاده بشكل منفرد من قبل التيار الآخر بقيادة العين مصطفى الحمارنة. ويستند الطعن الذي قُدّم للمحكمة الإدارية إلى أكثر من خمسين مخالفة للنظام الداخلي وفقاً لتيار المؤسسين، مع المطالبة بإلغاء جميع النتائج المترتبة على المؤتمر، في مؤشر على انتقال الأزمة من خلاف تنظيمي داخل الحزب إلى نزاع قانوني مفتوح. وتأتي هذه التطورات في سياق من التراكمات السياسية والتنظيمية التي تمتد جذورها إلى مرحلة الاندماج بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وتيار التنمية والتحديث، وما ترتب على نتائج الانتخابات النيابية لعام 2024 وما أعقبها من استقالات وانقسامات، مما وضع الحزب أمام أزمة تمس وحدته الداخلية وتكشف عن تعثر واضح في آليات التقاضي الحزبي وفض النزاعات الداخلية.
يسعى هذا التقرير إلى تفكيك أسباب التصعيد داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني، من خلال تتبّع مسار الخلاف بين جناحيه، وتحليل العوامل التنظيمية والسياسية التي قادت إلى انتقال النزاع من الإطار الداخلي إلى ساحة القضاء الإداري. كما يهدف إلى فحص طبيعة المخالفات المثارة، ودلالات الطعن بشرعية المؤتمر الحزبي، وحدود فاعلية آليات إدارة الخلاف داخل الحزب.

أولاً: الأجنحة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي
أفرزت القضية المرفوعة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني انقساماً داخلياً واضحاً بين تيارين رئيسيين، لكل منهما خلفيته السياسية ورؤيته القيمية وخياره الاقتصادي، من دون أغفال أثر “الدوافع الشخصية” الكامنة وراء الخلاف، أو على الأقل، تعثر فرض حله واحتوائه. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن أزمة الحزب لم تعد تقتصر على خلاف تنظيمي عابر، بل تتكشّف عن تباين في المرجعيات والتصورات داخل الحزب نفسه، بين جناح المؤسسين الذي يستند إلى هوية الحزب التقليدية، والجناح الآخر الذي ارتبط بمسار الاندماج الذي جرى في 29 كانون الثاني/يناير 2024، حين توافق الحزب الديمقراطي الاجتماعي مع تيار التنمية والتحديث – تحت التأسيس – على الاندماج. ومن هنا، تتجه هذه القراءة إلى تعريف التيارين وتبيان أبرز خصائص كل منهما، بوصف ذلك مدخلاً لفهم طبيعة الخلاف داخل الحزب وحدود التمايز بين جناحيه، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار تبدل بعض الاصطفافات.

يمثل جناح المؤسسين في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الامتداد الأوضح لهويته الأصلية منذ تأسيسه عام 2016، بوصفه أحد الأحزاب المدنية المبكرة التي تبنت منذ البداية نهج الديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي، وقد ضم هذا الجناح في صفوفه خليطاً من اليساريين والشيوعيين السابقين، إلى جانب شخصيات ديمقراطية وليبرالية، ما جعله يتموضع ضمن يسار الوسط سياسياً وفكرياً. ويستند هذا الجناح إلى تصور قيمي يقوم على الجمع بين الحرية والعدالة باعتبارهما مبدأين متكاملين، مع التأكيد على أن الإصلاح السياسي وتوسيع المشاركة العامة وتكافؤ الفرص ركائز لبناء دولة مدنية أكثر توازناً وإنصافاً.

وعلى المستوى الاقتصادي، يتبنى جناح المؤسسين اقتصاد السوق الاجتماعي باعتباره صيغة وسطية ترفض الليبرالية الاقتصادية “المتوحشة” كما ترفض الاشتراكية حيث تهيمن الدولة على النشاط الاقتصادي، بوصفها أكبر “رب عمل”. فهو يقبل بالملكية الخاصة والمنافسة الحرة، لكنه يربطهما بضوابط حكومية تضمن العدالة الاجتماعية وتمنع الاحتكار وتحد من التضخم والبطالة، مع إعطاء أولوية لتطوير التعليم والصحة والنقل والضمان الاجتماعي. وبذلك، يتموضع هذا الجناح فكرياً بين الليبرالية والاشتراكية المركزية، ساعياً إلى تطوير نموذج يوازن ما بين كفاءة السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

في المقابل يمثل الجناح الثاني، الذي يمكن توصيفه بـ“جناح التنمية والتحديث”، الامتداد السياسي لمشروع تيار التنمية والتحديث بعد اندماجه مع الحزب، وهو تيار يتسم بطابع براغماتي هادئ في البناء والتنظيم، وبغياب التأطير الأيديولوجي الصارم مقارنة بجناح المؤسسين. فعلى المستوى القيمي، يركز هذا الجناح وفقاً للنظام الأساسي لمشروع حزب التنمية والتحديث قبل اندماجه، على مركزية الفرد وحرياته، وعلى سيادة القانون بوصفها المرجعية الناظمة للحياة العامة، مع تأكيد واضح على قيم المواطنة الجامعة ورفض الهويات الفرعية الضيقة. ويبرز في خطابه انحياز قوي لمنظومة الحريات المدنية وحقوق الإنسان، مع تصور يعتبر أن إطلاق حرية الفرد ضمن إطار القانون هو المدخل الأساسي لتحقيق التقدم الاجتماعي والسياسي.

أما من حيث التوجه الاقتصادي، فعلى الرغم من تقاطعه مع بعض مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي، إلا أن هذا الجناح يبدو أقرب إلى النمط الليبرالي، سواء في نظرته إلى السوق كأداة رئيسية لخلق الثروة وتوزيعها وتعزيز خيارات الأفراد، أو في تقليصه لدور الدولة المباشر في إدارة النشاط الاقتصادي. فهو يدعم المنافسة ويرفض الاحتكار، ويؤكد على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري والخدمات الأساسية، لكن ضمن تصور يمنح السوق دوراً أوسع ويحد من التدخل الحكومي الصارم، في مقابل رفضه أيضاً للنموذج الاشتراكي القائم على هيمنة الدولة. وبذلك، يتميز هذا الجناح بتموضعه القيمي الأقرب إلى الليبرالية المدنية، رغم بعض تقاطعاته مع مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي.

ثانياً: مسار الخلافات الداخلية
لفهم التصعيد الراهن داخل الحزب، لابد من تتبّع جذور الأزمة ضمن مسار زمني تراكمي يبدأ من مرحلة الاندماج نفسها وما تلاها، حيث تشير بعض المصادر إلى أن تيار “التنمية والتحديث” بدأ المعركة مبكراً، عندما طرح منذ البداية شرطاً غير معلن يقضي بعدم ترشح شخصيات رئيسية من الحزب الديمقراطي الاجتماعي لمنصب الأمين العام، في حين ترى مصادر أخرى في المقابل، أن لدى بعض نخب الحزب قبل الاندماج تصوراً احتوائياً/إلحاقياً، افترض أن اندماج تيار التنمية والتحديث سيقوده إلى الذوبان داخل البنية القائمة، غير أن هذا التقدير لم يتحقق، نظراً لامتلاك تيار “التنمية والتحديث” مواقفه وبرامجه وسياساته وأنماطه الخاصة، مع الإشارة إلى أن تيار التنمية والتحديث قَبِل الاندماج تحت اسم الحزب ذاته، الحزب الديمقراطي الاجتماعي، من دون المطالبة بتغييره.

وخلال مرحلة ما قبل الانتخابات النيابية لعام 2024؛ برزت تباينات واضحة ناتجة عن انقسام بين اجنحة الحزب خلال إعداد القوائم الانتخابية، تمحورت حول معايير اختيار المترشحين، إلا أنها بقيت ضمن “دائرة الاحتواء”، ولم تتبلور بعد في صورة انقسام تنظيمي صريح. ومع إعلان نتائج الانتخابات، دخل الحزب مرحلة توتر متصاعد، عندما لم تتمكن قائمة “التيار الديمقراطي” من تجاوز “عتبة الحسم”، مكتفية بنحو 23,551 صوتاً، وهو ما اعتُبر داخلياً نتيجة مخيبة. وقد أدى ذلك إلى تصاعد حالة المساءلة داخل الأطر الحزبية، حيث حمّلت قطاعات من الكوادر القيادة مسؤولية الإخفاق، ما أضعف موقعها وفتح المجال أمام إعادة توزيع موازين القوى الداخلية.

في أعقاب ذلك، انتقل الحزب إلى مرحلة التصدّع التنظيمي، التي تجلت في موجة استقالات متلاحقة، من أبرزها استقالة الأمين العام آنذاك سمر دودين، في مؤشر على تعمّق حالة عدم الاستقرار الداخلي. وبالتوازي، تصاعدت الخلافات داخل الأطر القيادية وانتقلت من مستوى التباين السياسي إلى مستوى الإجراءات التنظيمية، حيث شكّل قرار فصل القيادي في الحزب، بسام حدادين محطة مفصلية في مسار الأزمة. فقد اتُخذ القرار داخل المكتب السياسي بأغلبية 8 أصوات مقابل 6 معارضة وغياب 6 أعضاء، بما يعكس انقساماً واضحاً. وارتبط القرار بخلاف حول تقييم حدادين لترشيح آسيا ياغي -وهي من تيار التنمية والتحديث- لمنصب الأمين العام، إذ اعترض حدادين على الترشيح بدعوى عدم توفر الخبرة السياسية الكافية، في حين قُدّم قرار الفصل بوصفه استجابة لمخالفة تنظيمية.

في المقابل، قدّم حدادين رواية مغايرة، معتبراً أن مداخلاته جاءت ضمن نقاش داخلي ولم تتضمن إساءة شخصية، وأن قرار فصله لم يستوفِ شرط الأغلبية المطلقة المنصوص عليها في النظام الداخلي، فضلاً عن عدم منحه فرصة كافية للدفاع عن موقفه، وغياب مبدأ التدرج في العقوبات. كما رفض حدادين اللجوء إلى المحكمة الحزبية، مشككاً في استقلاليتها في ظل التوازنات القائمة.

في مرحلة لاحقة، تبلور هذا الاستقطاب في صورة تيارين رئيسيين: تيار “المندمجين”، والذي كان يهيمن على المكتب السياسي السابق ويضم شخصيات من بينها مصطفى الحمارنة وآسيا ياغي، وتيار “المؤسسين” الذي يستند إلى شرعية التأسيس ويضم عدة شخصيات من بينها جميل النمري. وبلغ هذا الانقسام ذروته خلال انتخابات المجلس العام والمكتب التنفيذي، التي جرت وفق نظام القائمة النسبية المفتوحة، حيث تشكّلت قائمتان تمثلان التيارين: قائمة “وحدة التيار” التي تمثل تيار المؤسسين، وقائمة “الديمقراطية الاجتماعية” التي تمثل تيار المندمجين، غير أن العملية شابها إشكاليات تنظيمية تتعلق بقائمة المؤسسين، تمثلت في عدم تسديد بعض الأعضاء لاشتراكاتهم المالية وعدم تطابق بعض الأسماء مع السجلات الرسمية وأن بعضهم تبين أنهم ليسوا بالحزب اصلاً وفقاً لمصادر “المندمجين”، وهو ما نفته مصادر “المؤسسين”، ما أدى إلى إلغاء القائمة دون منح مهلة كافية لتصويب الأوضاع، ونتيجة لذلك، فازت قائمة المندمجين بالتزكية، ما انعكس مباشرة على تشكيل الهيئات القيادية.

أفضت هذه التطورات إلى انتقال الخلاف من مستوى التنافس التنظيمي إلى مستوى الطعن في شرعية الإجراءات، حيث تشكّلت سرديات متعارضة حول قانونية ما جرى ومدى الالتزام بالنظام الداخلي. ومع تآكل الثقة بفاعلية آليات تسوية النزاعات الداخلية وتزايد فقدان الثقة بين التيارات، تهيأت الظروف للجوء إلى القضاء.

ثالثاً: مداخل عامة لفهم الأزمة الداخلية داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي
تُظهر التجربة أن الانقسامات داخل الأحزاب المدنية لا يمكن فهمها من زاوية فكرية أو تنظيمية واحدة، بل من خلال اربعة مداخل رئيسية تتداخل فيما بينها تتمثل فيما يلي:

المدخل القيمي
تشير مصادر مطلعة إلى وجود تباين في القيم والتوجهات السياساتية بين جناح المؤسسين وجناح المندمجين. فالأول يُنظر إليه بوصفه أكثر صرامة من ناحية التأطير القيمي لنظريات اقتصاد السوق الاجتماعي ومبادئ الديمقراطية الاجتماعية، بينما يميل التيار الثاني إلى رؤية سياسية واقتصادية أكثر ليبرالية.

ولم يكن هذا التباين فكرياً فحسب، بل وأفضى ذلك إلى خلاف واختلاف على  فهم قواعد الانتساب، وآليات الاستقطاب، داخل كل من الحزبين: الحزب الديمقراطي الاجتماعي خلال مرحلة توفيق الأوضاع والتوسع في استقطاب عضويات جديدة، وحزب تيار التنمية والتحديث خلال مرحلة التأسيس وقبل اندماجه.

اعتمد حزب تيار التنمية والتحديث إلى ما يمكن أن يطلق عليه تعبير الاستقطاب الابتدائي عبر استهدف أفراد بلا خلفيات سياسية سابقة، ولا سيما من فئة الشباب، بهدف إدخالهم تدريجياً إلى البنية الفكرية للحزب، في المقابل اعتمد الحزب الديمقراطي الاجتماعي على نمط الاستقطاب الموجه لفئات اجتماعية أقرب إلى الهوية السياسية للحزب، وذلك حفاظاً على التماسك السياسي والفكري للحزب، بيد أن هذا النمط لم يكن صارماً على ما يبدو، ما مكّن كثيرين من دخول الحزب، من دون هضم طروحاته ومنطلقاته.

تُشير بعض المصادر المطلعة إلى أن جناح المندمجين بعد اندماج الحزبين كان يمتلك قدرة تمويلية أعلى أتاحت له تمويل فعاليات وأنشطة استقطابية وهو ما أسهم لاحقاً في توسيع حضوره وتعزيز نفوذه داخل الحزب، ومع تكرار موجات الاستقالات بين الكوادر القيادية الفكرية، تراجع، بحسب المصادر نفسها، الوزن الفكري والقيمي للحزب، مما أثار حفيظة قطاع واسع من التيار الديمقراطي الاجتماعي التقليدي داخله. ومع ذلك، ترى مصادر أخرى أن جوهر الخلاف لا يعود بالدرجة الأولى إلى تباينات قيمية أو فكرية، بل إلى خلافات شخصية بين الأفراد أكثر من كونها صراعاً بين المراكز أو التيارات.

مدخل الأقطاب المركزية المتدافعة
تشير المصادر إلى أن ضعف التيار المدني لا يعود بالأساس إلى اختلافات قيمية حادة، بقدر ما يرتبط بطبيعة النخب السياسية المنخرطة فيه؛ إذ يغلب على هذه النخب نمط العمل الفردي خارج الأطر التنظيمية المؤسسية، ما يجعل الأحزاب والتحالفات هشة وسريعة التشقق، مع بروز أجنحة داخلها حتى في مراحلها المبكرة.

كما تتكرر الإشارة إلى أن النخب السياسية داخل الأحزاب لا تزال أقرب إلى كونها نخباً فردية متفرقة، لا تياراً سياسياً متماسكاً يمتلك مراكز واضحة ومرجعية تنظيمية مستقرة. وتُظهر التجربة أن غياب ثقافة حزبية راسخة، إلى جانب هيمنة الشخصيات المتنفذة والمستقلين والبيروقراطيين على حساب منطق العمل الجماعي، قد أسهم في تحويل الخلافات من صراع بين برامج وسياسات إلى خلافات شخصية بين الفاعلين أنفسهم.

التباين في المواقف السياسية وطرق التعبير عنها
كما تشير بعض المصادر المطلعة إلى وجود تباينات داخل الحزب في ما يتعلق بأسلوب إدارة المواقف السياسية وآليات التعبير عنها، إذ يميل أحد الاتجاهات إلى التحفّظ والتريث في إصدار البيانات واتخاذ المواقف، في حين يرى اتجاه آخر أن الحضور السياسي للحزب يقتضي قدراً أعلى من التفاعل والتعليق العلني على القضايا العامة. وتعكس هذه التباينات، في جانب منها، تنوع الخلفيات السياسية داخل الحزب، ولا سيما تلك ذات الجذور اليسارية السابقة، الأمر الذي أسهم في تشكيل أنماط مختلفة من التفكير السياسي لدى نخب الحزب.

وبحسب المصادر نفسها، لا يزال بعض أعضاء “تيار المؤسسين” متأثراً بالأدبيات والممارسات اليسارية التقليدية، ويقارن أداء الحزب بأداء أحزاب يسارية معروفة بكثافة بياناتها وتصريحاتها، وهو ما يدفعه إلى المطالبة بتعزيز الحضور الإعلامي للحزب من خلال زيادة عدد البيانات والتعليقات السياسية، باعتبار أن ذلك يعكس فاعليته وتفاعله مع الشأن العام. في المقابل، يتمسك الاتجاه الآخر برؤية مغايرة، مفادها أن الإفراط في إصدار البيانات قد يؤدي إلى إضعاف قيمتها الرمزية والسياسية، ويؤكد على أهمية الانتقائية في التعبير والحفاظ على وزن البيان الحزبي.

وتضيف مصادر أن “تيار المندمجين” يميل إلى تغليب التزام الحزب بالخط العام المتناغم مع توجهات المؤسسات الرسمية، مع ضبط إيقاع الخطاب السياسي وتجنب المزايدة، خصوصاً في القضايا الإقليمية الحساسة، كالقضية الفلسطينية على سبيل المثال. غير أن هذا الطرح لا يحظى بقبول لدى “الاتجاه الراديكالي” وفقاً للمصدر داخل الحزب، وهو ما يعكس استمرار حالة التباين الداخلي في مقاربة العمل السياسي وحدود التعبير عنه.

ضعف الهياكل المؤسسية والبنى الحزبية
على الرغم من أن الحزب يمتلك بنية تنظيمية متقدمة ومفصلة في نظامه الأساسي، تشمل الأطر القيادية واللجان والمكتب السياسي والمحكمة الحزبية، ومصممة لتكريس الديمقراطية الداخلية وتنظيم العمل الحزبي، إلا أن هذه البنى لم تحقق الفاعلية المتوقعة في إدارة الخلافات أو ضبط الحوار الداخلي. فقد بقي حضورها العملي أقل من مستواها النظري، ولم تنجح بالكامل في فرض الانضباط أو توجيه المسار السياسي داخل الحزب.
يرتبط هذا الضعف بعاملين متداخلين: الاستقطاب الداخلي والفتور التنظيمي. إذ أسهمت حالة الاستقطاب القطبي في إضعاف المؤسسات التي يفترض أن تنظّم الخلاف وتحتكم إليها النزاعات، بما في ذلك المحكمة الحزبية، بينما زاد الفتور العام لدى الكوادر، بفعل تفشي الخيبة من نتائج الانتخابات 2024، إضافة إلى تأثير الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وهو ما انعكس سلباً على مستوى الحماس والمشاركة الحزبية وحتى السياسية عموماً، كما تشير المصادر.

وبهذا المعنى، نشأت علاقة عكسية بين حيوية الكوادر وفعالية المؤسسات؛ فحين يتراجع الحماس والمتابعة، تتآكل قدرة البنى على أداء دورها، ويتحول الاستقطاب والانقسام الداخلي، من ظاهرة يمكن احتواؤها إلى عامل يفاقم الهشاشة التنظيمية. ومن هنا يتضح أن امتلاك هياكل تنظيمية متقدمة لا يكفي بحد ذاته، ما لم يقترن بحماسة فاعلة لدى الكوادر وثقافة تنظيمية تحترم آليات اتخاذ القرار وتعلو بها فوق الاستقطابات الداخلية.

الخلاصات والاستنتاجات
– الأزمة داخل الحزب لم تعد خلافاً تنظيمياً عابراً، بل أصبحت أزمة شرعية وتمثيل واتجاه سياسي.
– الاندماج الذي كان يفترض أن يعزز قوة التيار المدني أظهر قدرة تنظيمية محدودة على دمج الهويات السياسية المختلفة داخل بنية واحدة.
– الانقسام الحالي يكشف أن التعدد داخل الحزب لم يُدار عبر قواعد مستقرة لتقاسم النفوذ وتسوية الخلاف.
– نتائج الانتخابات النيابية 2024، تحولت إلى عامل إعادة تشكيل للتوازنات الداخلية.
– الاستقالات والقرارات التأديبية زادت من تعميق الانقسام بدل تهدئته.
– وجود نظام داخلي متقدم لا يكفي وحده لضبط الحزب إذا غابت الثقة والالتزام العملي بقواعده.
– حالة الفتور السياسي لدى كوادر الحزب ساهمت في إضعاف العمل المؤسسي مما شكل بيئة خصبة لتنامي حالة الاستقطاب.
– التباين بين الجناحين يتجاوز التفاصيل الإجرائية إلى اختلاف في الرؤية القيمية وطريقة فهم الدور الحزبي.
– الاتجاه إلى الاحتكام للقضاء يعكس انسداداً في قنوات التسوية الداخلية، وانعدام الثقة بالمحكمة الحزبية.

الخاتمة
تكشف هذه الأزمة أن الحزب الديمقراطي الاجتماعي يقف أمام لحظة مفصلية، إذ لم يعد الخلاف داخله محصوراً في التنافس على المواقع، بل بات يمسّ تعريف الحزب نفسه: هويته، ومرجعيته، وطبيعة التحالف الذي قام عليه. وفي ضوء استمرار الاستقطاب وتعثر التسوية، يبدو أن الحزب يقف أمام مسارات ثلاثة: (1) استمرار الانقسام مع بقاء الخلاف مفتوحاً… (2) لجوء أحد الجناحين إلى الاستقالة والانتساب إلى حزب مدني قائم ينسجم أكثر مع توجهاته السياسية والتنظيمية… (3) الذهاب إلى تأسيس حزب مدني جديد يعيد تجميع الكوادر المنسحبة تحت إطار مستقل. ويظل أي من هذه السيناريوهات معبّراً عن نتيجة واحدة أساسية، وهي أن الأزمة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب المدنية على إدارة التعدد الداخلي من دون أن يتحول إلى تفكك بنيوي.

تصاعد الخلاف داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني إلى مستوى قضائي غير مسبوق، بعدما لجأ تيار المؤسسين، الذي يقوده جميل النمري، إلى المحكمة الإدارية للطعن في شرعية المؤتمر الذي عُقد مطلع نيسان/أبريل بحجة انعقاده بشكل منفرد من قبل التيار الآخر بقيادة العين مصطفى الحمارنة. ويستند الطعن الذي قُدّم للمحكمة الإدارية إلى أكثر من خمسين مخالفة للنظام الداخلي وفقاً لتيار المؤسسين، مع المطالبة بإلغاء جميع النتائج المترتبة على المؤتمر، في مؤشر على انتقال الأزمة من خلاف تنظيمي داخل الحزب إلى نزاع قانوني مفتوح. وتأتي هذه التطورات في سياق من التراكمات السياسية والتنظيمية التي تمتد جذورها إلى مرحلة الاندماج بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وتيار التنمية والتحديث، وما ترتب على نتائج الانتخابات النيابية لعام 2024 وما أعقبها من استقالات وانقسامات، مما وضع الحزب أمام أزمة تمس وحدته الداخلية وتكشف عن تعثر واضح في آليات التقاضي الحزبي وفض النزاعات الداخلية.
يسعى هذا التقرير إلى تفكيك أسباب التصعيد داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني، من خلال تتبّع مسار الخلاف بين جناحيه، وتحليل العوامل التنظيمية والسياسية التي قادت إلى انتقال النزاع من الإطار الداخلي إلى ساحة القضاء الإداري. كما يهدف إلى فحص طبيعة المخالفات المثارة، ودلالات الطعن بشرعية المؤتمر الحزبي، وحدود فاعلية آليات إدارة الخلاف داخل الحزب.

أولاً: الأجنحة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي
أفرزت القضية المرفوعة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني انقساماً داخلياً واضحاً بين تيارين رئيسيين، لكل منهما خلفيته السياسية ورؤيته القيمية وخياره الاقتصادي، من دون أغفال أثر “الدوافع الشخصية” الكامنة وراء الخلاف، أو على الأقل، تعثر فرض حله واحتوائه. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن أزمة الحزب لم تعد تقتصر على خلاف تنظيمي عابر، بل تتكشّف عن تباين في المرجعيات والتصورات داخل الحزب نفسه، بين جناح المؤسسين الذي يستند إلى هوية الحزب التقليدية، والجناح الآخر الذي ارتبط بمسار الاندماج الذي جرى في 29 كانون الثاني/يناير 2024، حين توافق الحزب الديمقراطي الاجتماعي مع تيار التنمية والتحديث – تحت التأسيس – على الاندماج. ومن هنا، تتجه هذه القراءة إلى تعريف التيارين وتبيان أبرز خصائص كل منهما، بوصف ذلك مدخلاً لفهم طبيعة الخلاف داخل الحزب وحدود التمايز بين جناحيه، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار تبدل بعض الاصطفافات.

يمثل جناح المؤسسين في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الامتداد الأوضح لهويته الأصلية منذ تأسيسه عام 2016، بوصفه أحد الأحزاب المدنية المبكرة التي تبنت منذ البداية نهج الديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي، وقد ضم هذا الجناح في صفوفه خليطاً من اليساريين والشيوعيين السابقين، إلى جانب شخصيات ديمقراطية وليبرالية، ما جعله يتموضع ضمن يسار الوسط سياسياً وفكرياً. ويستند هذا الجناح إلى تصور قيمي يقوم على الجمع بين الحرية والعدالة باعتبارهما مبدأين متكاملين، مع التأكيد على أن الإصلاح السياسي وتوسيع المشاركة العامة وتكافؤ الفرص ركائز لبناء دولة مدنية أكثر توازناً وإنصافاً.

وعلى المستوى الاقتصادي، يتبنى جناح المؤسسين اقتصاد السوق الاجتماعي باعتباره صيغة وسطية ترفض الليبرالية الاقتصادية “المتوحشة” كما ترفض الاشتراكية حيث تهيمن الدولة على النشاط الاقتصادي، بوصفها أكبر “رب عمل”. فهو يقبل بالملكية الخاصة والمنافسة الحرة، لكنه يربطهما بضوابط حكومية تضمن العدالة الاجتماعية وتمنع الاحتكار وتحد من التضخم والبطالة، مع إعطاء أولوية لتطوير التعليم والصحة والنقل والضمان الاجتماعي. وبذلك، يتموضع هذا الجناح فكرياً بين الليبرالية والاشتراكية المركزية، ساعياً إلى تطوير نموذج يوازن ما بين كفاءة السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

في المقابل يمثل الجناح الثاني، الذي يمكن توصيفه بـ“جناح التنمية والتحديث”، الامتداد السياسي لمشروع تيار التنمية والتحديث بعد اندماجه مع الحزب، وهو تيار يتسم بطابع براغماتي هادئ في البناء والتنظيم، وبغياب التأطير الأيديولوجي الصارم مقارنة بجناح المؤسسين. فعلى المستوى القيمي، يركز هذا الجناح وفقاً للنظام الأساسي لمشروع حزب التنمية والتحديث قبل اندماجه، على مركزية الفرد وحرياته، وعلى سيادة القانون بوصفها المرجعية الناظمة للحياة العامة، مع تأكيد واضح على قيم المواطنة الجامعة ورفض الهويات الفرعية الضيقة. ويبرز في خطابه انحياز قوي لمنظومة الحريات المدنية وحقوق الإنسان، مع تصور يعتبر أن إطلاق حرية الفرد ضمن إطار القانون هو المدخل الأساسي لتحقيق التقدم الاجتماعي والسياسي.

أما من حيث التوجه الاقتصادي، فعلى الرغم من تقاطعه مع بعض مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي، إلا أن هذا الجناح يبدو أقرب إلى النمط الليبرالي، سواء في نظرته إلى السوق كأداة رئيسية لخلق الثروة وتوزيعها وتعزيز خيارات الأفراد، أو في تقليصه لدور الدولة المباشر في إدارة النشاط الاقتصادي. فهو يدعم المنافسة ويرفض الاحتكار، ويؤكد على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري والخدمات الأساسية، لكن ضمن تصور يمنح السوق دوراً أوسع ويحد من التدخل الحكومي الصارم، في مقابل رفضه أيضاً للنموذج الاشتراكي القائم على هيمنة الدولة. وبذلك، يتميز هذا الجناح بتموضعه القيمي الأقرب إلى الليبرالية المدنية، رغم بعض تقاطعاته مع مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي.

ثانياً: مسار الخلافات الداخلية
لفهم التصعيد الراهن داخل الحزب، لابد من تتبّع جذور الأزمة ضمن مسار زمني تراكمي يبدأ من مرحلة الاندماج نفسها وما تلاها، حيث تشير بعض المصادر إلى أن تيار “التنمية والتحديث” بدأ المعركة مبكراً، عندما طرح منذ البداية شرطاً غير معلن يقضي بعدم ترشح شخصيات رئيسية من الحزب الديمقراطي الاجتماعي لمنصب الأمين العام، في حين ترى مصادر أخرى في المقابل، أن لدى بعض نخب الحزب قبل الاندماج تصوراً احتوائياً/إلحاقياً، افترض أن اندماج تيار التنمية والتحديث سيقوده إلى الذوبان داخل البنية القائمة، غير أن هذا التقدير لم يتحقق، نظراً لامتلاك تيار “التنمية والتحديث” مواقفه وبرامجه وسياساته وأنماطه الخاصة، مع الإشارة إلى أن تيار التنمية والتحديث قَبِل الاندماج تحت اسم الحزب ذاته، الحزب الديمقراطي الاجتماعي، من دون المطالبة بتغييره.

وخلال مرحلة ما قبل الانتخابات النيابية لعام 2024؛ برزت تباينات واضحة ناتجة عن انقسام بين اجنحة الحزب خلال إعداد القوائم الانتخابية، تمحورت حول معايير اختيار المترشحين، إلا أنها بقيت ضمن “دائرة الاحتواء”، ولم تتبلور بعد في صورة انقسام تنظيمي صريح. ومع إعلان نتائج الانتخابات، دخل الحزب مرحلة توتر متصاعد، عندما لم تتمكن قائمة “التيار الديمقراطي” من تجاوز “عتبة الحسم”، مكتفية بنحو 23,551 صوتاً، وهو ما اعتُبر داخلياً نتيجة مخيبة. وقد أدى ذلك إلى تصاعد حالة المساءلة داخل الأطر الحزبية، حيث حمّلت قطاعات من الكوادر القيادة مسؤولية الإخفاق، ما أضعف موقعها وفتح المجال أمام إعادة توزيع موازين القوى الداخلية.

في أعقاب ذلك، انتقل الحزب إلى مرحلة التصدّع التنظيمي، التي تجلت في موجة استقالات متلاحقة، من أبرزها استقالة الأمين العام آنذاك سمر دودين، في مؤشر على تعمّق حالة عدم الاستقرار الداخلي. وبالتوازي، تصاعدت الخلافات داخل الأطر القيادية وانتقلت من مستوى التباين السياسي إلى مستوى الإجراءات التنظيمية، حيث شكّل قرار فصل القيادي في الحزب، بسام حدادين محطة مفصلية في مسار الأزمة. فقد اتُخذ القرار داخل المكتب السياسي بأغلبية 8 أصوات مقابل 6 معارضة وغياب 6 أعضاء، بما يعكس انقساماً واضحاً. وارتبط القرار بخلاف حول تقييم حدادين لترشيح آسيا ياغي -وهي من تيار التنمية والتحديث- لمنصب الأمين العام، إذ اعترض حدادين على الترشيح بدعوى عدم توفر الخبرة السياسية الكافية، في حين قُدّم قرار الفصل بوصفه استجابة لمخالفة تنظيمية.

في المقابل، قدّم حدادين رواية مغايرة، معتبراً أن مداخلاته جاءت ضمن نقاش داخلي ولم تتضمن إساءة شخصية، وأن قرار فصله لم يستوفِ شرط الأغلبية المطلقة المنصوص عليها في النظام الداخلي، فضلاً عن عدم منحه فرصة كافية للدفاع عن موقفه، وغياب مبدأ التدرج في العقوبات. كما رفض حدادين اللجوء إلى المحكمة الحزبية، مشككاً في استقلاليتها في ظل التوازنات القائمة.

في مرحلة لاحقة، تبلور هذا الاستقطاب في صورة تيارين رئيسيين: تيار “المندمجين”، والذي كان يهيمن على المكتب السياسي السابق ويضم شخصيات من بينها مصطفى الحمارنة وآسيا ياغي، وتيار “المؤسسين” الذي يستند إلى شرعية التأسيس ويضم عدة شخصيات من بينها جميل النمري. وبلغ هذا الانقسام ذروته خلال انتخابات المجلس العام والمكتب التنفيذي، التي جرت وفق نظام القائمة النسبية المفتوحة، حيث تشكّلت قائمتان تمثلان التيارين: قائمة “وحدة التيار” التي تمثل تيار المؤسسين، وقائمة “الديمقراطية الاجتماعية” التي تمثل تيار المندمجين، غير أن العملية شابها إشكاليات تنظيمية تتعلق بقائمة المؤسسين، تمثلت في عدم تسديد بعض الأعضاء لاشتراكاتهم المالية وعدم تطابق بعض الأسماء مع السجلات الرسمية وأن بعضهم تبين أنهم ليسوا بالحزب اصلاً وفقاً لمصادر “المندمجين”، وهو ما نفته مصادر “المؤسسين”، ما أدى إلى إلغاء القائمة دون منح مهلة كافية لتصويب الأوضاع، ونتيجة لذلك، فازت قائمة المندمجين بالتزكية، ما انعكس مباشرة على تشكيل الهيئات القيادية.

أفضت هذه التطورات إلى انتقال الخلاف من مستوى التنافس التنظيمي إلى مستوى الطعن في شرعية الإجراءات، حيث تشكّلت سرديات متعارضة حول قانونية ما جرى ومدى الالتزام بالنظام الداخلي. ومع تآكل الثقة بفاعلية آليات تسوية النزاعات الداخلية وتزايد فقدان الثقة بين التيارات، تهيأت الظروف للجوء إلى القضاء.

ثالثاً: مداخل عامة لفهم الأزمة الداخلية داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي
تُظهر التجربة أن الانقسامات داخل الأحزاب المدنية لا يمكن فهمها من زاوية فكرية أو تنظيمية واحدة، بل من خلال اربعة مداخل رئيسية تتداخل فيما بينها تتمثل فيما يلي:

المدخل القيمي
تشير مصادر مطلعة إلى وجود تباين في القيم والتوجهات السياساتية بين جناح المؤسسين وجناح المندمجين. فالأول يُنظر إليه بوصفه أكثر صرامة من ناحية التأطير القيمي لنظريات اقتصاد السوق الاجتماعي ومبادئ الديمقراطية الاجتماعية، بينما يميل التيار الثاني إلى رؤية سياسية واقتصادية أكثر ليبرالية.

ولم يكن هذا التباين فكرياً فحسب، بل وأفضى ذلك إلى خلاف واختلاف على  فهم قواعد الانتساب، وآليات الاستقطاب، داخل كل من الحزبين: الحزب الديمقراطي الاجتماعي خلال مرحلة توفيق الأوضاع والتوسع في استقطاب عضويات جديدة، وحزب تيار التنمية والتحديث خلال مرحلة التأسيس وقبل اندماجه.

اعتمد حزب تيار التنمية والتحديث إلى ما يمكن أن يطلق عليه تعبير الاستقطاب الابتدائي عبر استهدف أفراد بلا خلفيات سياسية سابقة، ولا سيما من فئة الشباب، بهدف إدخالهم تدريجياً إلى البنية الفكرية للحزب، في المقابل اعتمد الحزب الديمقراطي الاجتماعي على نمط الاستقطاب الموجه لفئات اجتماعية أقرب إلى الهوية السياسية للحزب، وذلك حفاظاً على التماسك السياسي والفكري للحزب، بيد أن هذا النمط لم يكن صارماً على ما يبدو، ما مكّن كثيرين من دخول الحزب، من دون هضم طروحاته ومنطلقاته.

تُشير بعض المصادر المطلعة إلى أن جناح المندمجين بعد اندماج الحزبين كان يمتلك قدرة تمويلية أعلى أتاحت له تمويل فعاليات وأنشطة استقطابية وهو ما أسهم لاحقاً في توسيع حضوره وتعزيز نفوذه داخل الحزب، ومع تكرار موجات الاستقالات بين الكوادر القيادية الفكرية، تراجع، بحسب المصادر نفسها، الوزن الفكري والقيمي للحزب، مما أثار حفيظة قطاع واسع من التيار الديمقراطي الاجتماعي التقليدي داخله. ومع ذلك، ترى مصادر أخرى أن جوهر الخلاف لا يعود بالدرجة الأولى إلى تباينات قيمية أو فكرية، بل إلى خلافات شخصية بين الأفراد أكثر من كونها صراعاً بين المراكز أو التيارات.

مدخل الأقطاب المركزية المتدافعة
تشير المصادر إلى أن ضعف التيار المدني لا يعود بالأساس إلى اختلافات قيمية حادة، بقدر ما يرتبط بطبيعة النخب السياسية المنخرطة فيه؛ إذ يغلب على هذه النخب نمط العمل الفردي خارج الأطر التنظيمية المؤسسية، ما يجعل الأحزاب والتحالفات هشة وسريعة التشقق، مع بروز أجنحة داخلها حتى في مراحلها المبكرة.

كما تتكرر الإشارة إلى أن النخب السياسية داخل الأحزاب لا تزال أقرب إلى كونها نخباً فردية متفرقة، لا تياراً سياسياً متماسكاً يمتلك مراكز واضحة ومرجعية تنظيمية مستقرة. وتُظهر التجربة أن غياب ثقافة حزبية راسخة، إلى جانب هيمنة الشخصيات المتنفذة والمستقلين والبيروقراطيين على حساب منطق العمل الجماعي، قد أسهم في تحويل الخلافات من صراع بين برامج وسياسات إلى خلافات شخصية بين الفاعلين أنفسهم.

التباين في المواقف السياسية وطرق التعبير عنها
كما تشير بعض المصادر المطلعة إلى وجود تباينات داخل الحزب في ما يتعلق بأسلوب إدارة المواقف السياسية وآليات التعبير عنها، إذ يميل أحد الاتجاهات إلى التحفّظ والتريث في إصدار البيانات واتخاذ المواقف، في حين يرى اتجاه آخر أن الحضور السياسي للحزب يقتضي قدراً أعلى من التفاعل والتعليق العلني على القضايا العامة. وتعكس هذه التباينات، في جانب منها، تنوع الخلفيات السياسية داخل الحزب، ولا سيما تلك ذات الجذور اليسارية السابقة، الأمر الذي أسهم في تشكيل أنماط مختلفة من التفكير السياسي لدى نخب الحزب.

وبحسب المصادر نفسها، لا يزال بعض أعضاء “تيار المؤسسين” متأثراً بالأدبيات والممارسات اليسارية التقليدية، ويقارن أداء الحزب بأداء أحزاب يسارية معروفة بكثافة بياناتها وتصريحاتها، وهو ما يدفعه إلى المطالبة بتعزيز الحضور الإعلامي للحزب من خلال زيادة عدد البيانات والتعليقات السياسية، باعتبار أن ذلك يعكس فاعليته وتفاعله مع الشأن العام. في المقابل، يتمسك الاتجاه الآخر برؤية مغايرة، مفادها أن الإفراط في إصدار البيانات قد يؤدي إلى إضعاف قيمتها الرمزية والسياسية، ويؤكد على أهمية الانتقائية في التعبير والحفاظ على وزن البيان الحزبي.

وتضيف مصادر أن “تيار المندمجين” يميل إلى تغليب التزام الحزب بالخط العام المتناغم مع توجهات المؤسسات الرسمية، مع ضبط إيقاع الخطاب السياسي وتجنب المزايدة، خصوصاً في القضايا الإقليمية الحساسة، كالقضية الفلسطينية على سبيل المثال. غير أن هذا الطرح لا يحظى بقبول لدى “الاتجاه الراديكالي” وفقاً للمصدر داخل الحزب، وهو ما يعكس استمرار حالة التباين الداخلي في مقاربة العمل السياسي وحدود التعبير عنه.

ضعف الهياكل المؤسسية والبنى الحزبية
على الرغم من أن الحزب يمتلك بنية تنظيمية متقدمة ومفصلة في نظامه الأساسي، تشمل الأطر القيادية واللجان والمكتب السياسي والمحكمة الحزبية، ومصممة لتكريس الديمقراطية الداخلية وتنظيم العمل الحزبي، إلا أن هذه البنى لم تحقق الفاعلية المتوقعة في إدارة الخلافات أو ضبط الحوار الداخلي. فقد بقي حضورها العملي أقل من مستواها النظري، ولم تنجح بالكامل في فرض الانضباط أو توجيه المسار السياسي داخل الحزب.
يرتبط هذا الضعف بعاملين متداخلين: الاستقطاب الداخلي والفتور التنظيمي. إذ أسهمت حالة الاستقطاب القطبي في إضعاف المؤسسات التي يفترض أن تنظّم الخلاف وتحتكم إليها النزاعات، بما في ذلك المحكمة الحزبية، بينما زاد الفتور العام لدى الكوادر، بفعل تفشي الخيبة من نتائج الانتخابات 2024، إضافة إلى تأثير الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وهو ما انعكس سلباً على مستوى الحماس والمشاركة الحزبية وحتى السياسية عموماً، كما تشير المصادر.

وبهذا المعنى، نشأت علاقة عكسية بين حيوية الكوادر وفعالية المؤسسات؛ فحين يتراجع الحماس والمتابعة، تتآكل قدرة البنى على أداء دورها، ويتحول الاستقطاب والانقسام الداخلي، من ظاهرة يمكن احتواؤها إلى عامل يفاقم الهشاشة التنظيمية. ومن هنا يتضح أن امتلاك هياكل تنظيمية متقدمة لا يكفي بحد ذاته، ما لم يقترن بحماسة فاعلة لدى الكوادر وثقافة تنظيمية تحترم آليات اتخاذ القرار وتعلو بها فوق الاستقطابات الداخلية.

الخلاصات والاستنتاجات
– الأزمة داخل الحزب لم تعد خلافاً تنظيمياً عابراً، بل أصبحت أزمة شرعية وتمثيل واتجاه سياسي.
– الاندماج الذي كان يفترض أن يعزز قوة التيار المدني أظهر قدرة تنظيمية محدودة على دمج الهويات السياسية المختلفة داخل بنية واحدة.
– الانقسام الحالي يكشف أن التعدد داخل الحزب لم يُدار عبر قواعد مستقرة لتقاسم النفوذ وتسوية الخلاف.
– نتائج الانتخابات النيابية 2024، تحولت إلى عامل إعادة تشكيل للتوازنات الداخلية.
– الاستقالات والقرارات التأديبية زادت من تعميق الانقسام بدل تهدئته.
– وجود نظام داخلي متقدم لا يكفي وحده لضبط الحزب إذا غابت الثقة والالتزام العملي بقواعده.
– حالة الفتور السياسي لدى كوادر الحزب ساهمت في إضعاف العمل المؤسسي مما شكل بيئة خصبة لتنامي حالة الاستقطاب.
– التباين بين الجناحين يتجاوز التفاصيل الإجرائية إلى اختلاف في الرؤية القيمية وطريقة فهم الدور الحزبي.
– الاتجاه إلى الاحتكام للقضاء يعكس انسداداً في قنوات التسوية الداخلية، وانعدام الثقة بالمحكمة الحزبية.

الخاتمة
تكشف هذه الأزمة أن الحزب الديمقراطي الاجتماعي يقف أمام لحظة مفصلية، إذ لم يعد الخلاف داخله محصوراً في التنافس على المواقع، بل بات يمسّ تعريف الحزب نفسه: هويته، ومرجعيته، وطبيعة التحالف الذي قام عليه. وفي ضوء استمرار الاستقطاب وتعثر التسوية، يبدو أن الحزب يقف أمام مسارات ثلاثة: (1) استمرار الانقسام مع بقاء الخلاف مفتوحاً… (2) لجوء أحد الجناحين إلى الاستقالة والانتساب إلى حزب مدني قائم ينسجم أكثر مع توجهاته السياسية والتنظيمية… (3) الذهاب إلى تأسيس حزب مدني جديد يعيد تجميع الكوادر المنسحبة تحت إطار مستقل. ويظل أي من هذه السيناريوهات معبّراً عن نتيجة واحدة أساسية، وهي أن الأزمة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب المدنية على إدارة التعدد الداخلي من دون أن يتحول إلى تفكك بنيوي.

شارك الخبر

“رفاق” في أروقة المحاكم قراءة في الأزمة الداخلية للحزب الديمقراطي الاجتماعي

04/24/2026

تصاعد الخلاف داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني إلى مستوى قضائي غير مسبوق، بعدما لجأ تيار المؤسسين، الذي يقوده جميل النمري، إلى المحكمة الإدارية للطعن في شرعية المؤتمر الذي عُقد مطلع نيسان/أبريل بحجة انعقاده بشكل منفرد من قبل التيار الآخر بقيادة العين مصطفى الحمارنة.

ويستند الطعن الذي قُدّم للمحكمة الإدارية إلى أكثر من خمسين مخالفة للنظام الداخلي وفقاً لتيار المؤسسين، مع المطالبة بإلغاء جميع النتائج المترتبة على المؤتمر، في مؤشر على انتقال الأزمة من خلاف تنظيمي داخل الحزب إلى نزاع قانوني مفتوح. وتأتي هذه التطورات في سياق من التراكمات السياسية والتنظيمية التي تمتد جذورها إلى مرحلة الاندماج بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وتيار التنمية والتحديث، وما ترتب على نتائج الانتخابات النيابية لعام 2024 وما أعقبها من استقالات وانقسامات، مما وضع الحزب أمام أزمة تمس وحدته الداخلية وتكشف عن تعثر واضح في آليات التقاضي الحزبي وفض النزاعات الداخلية.

يسعى هذا التقرير إلى تفكيك أسباب التصعيد داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني، من خلال تتبّع مسار الخلاف بين جناحيه، وتحليل العوامل التنظيمية والسياسية التي قادت إلى انتقال النزاع من الإطار الداخلي إلى ساحة القضاء الإداري. كما يهدف إلى فحص طبيعة المخالفات المثارة، ودلالات الطعن بشرعية المؤتمر الحزبي، وحدود فاعلية آليات إدارة الخلاف داخل الحزب.

 

أولاً: الأجنحة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي

أفرزت القضية المرفوعة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني انقساماً داخلياً واضحاً بين تيارين رئيسيين، لكل منهما خلفيته السياسية ورؤيته القيمية وخياره الاقتصادي، من دون أغفال أثر “الدوافع الشخصية” الكامنة وراء الخلاف، أو على الأقل، تعثر فرض حله واحتوائه.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن أزمة الحزب لم تعد تقتصر على خلاف تنظيمي عابر، بل تتكشّف عن تباين في المرجعيات والتصورات داخل الحزب نفسه، بين جناح المؤسسين الذي يستند إلى هوية الحزب التقليدية، والجناح الآخر الذي ارتبط بمسار الاندماج الذي جرى في 29 كانون الثاني/يناير 2024، حين توافق الحزب الديمقراطي الاجتماعي مع تيار التنمية والتحديث – تحت التأسيس – على الاندماج. ومن هنا، تتجه هذه القراءة إلى تعريف التيارين وتبيان أبرز خصائص كل منهما، بوصف ذلك مدخلاً لفهم طبيعة الخلاف داخل الحزب وحدود التمايز بين جناحيه، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار تبدل بعض الاصطفافات.

يمثل جناح المؤسسين في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الامتداد الأوضح لهويته الأصلية منذ تأسيسه عام 2016، بوصفه أحد الأحزاب المدنية المبكرة التي تبنت منذ البداية نهج الديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي، وقد ضم هذا الجناح في صفوفه خليطاً من اليساريين والشيوعيين السابقين، إلى جانب شخصيات ديمقراطية وليبرالية، ما جعله يتموضع ضمن يسار الوسط سياسياً وفكرياً. ويستند هذا الجناح إلى تصور قيمي يقوم على الجمع بين الحرية والعدالة باعتبارهما مبدأين متكاملين، مع التأكيد على أن الإصلاح السياسي وتوسيع المشاركة العامة وتكافؤ الفرص ركائز لبناء دولة مدنية أكثر توازناً وإنصافاً.

وعلى المستوى الاقتصادي، يتبنى جناح المؤسسين اقتصاد السوق الاجتماعي باعتباره صيغة وسطية ترفض الليبرالية الاقتصادية “المتوحشة” كما ترفض الاشتراكية حيث تهيمن الدولة على النشاط الاقتصادي، بوصفها أكبر “رب عمل”. فهو يقبل بالملكية الخاصة والمنافسة الحرة، لكنه يربطهما بضوابط حكومية تضمن العدالة الاجتماعية وتمنع الاحتكار وتحد من التضخم والبطالة، مع إعطاء أولوية لتطوير التعليم والصحة والنقل والضمان الاجتماعي. وبذلك، يتموضع هذا الجناح فكرياً بين الليبرالية والاشتراكية المركزية، ساعياً إلى تطوير نموذج يوازن ما بين كفاءة السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

في المقابل يمثل الجناح الثاني، الذي يمكن توصيفه بـ“جناح تيار “التنمية والتحديث”، الامتداد السياسي لمشروع تيار التنمية والتحديث بعد اندماجه مع الحزب، وهو تيار يتسم بطابع براغماتي هادئ في البناء والتنظيم، وبغياب التأطير الأيديولوجي الصارم مقارنة بجناح المؤسسين. فعلى المستوى القيمي، يركز هذا الجناح وفقاً للنظام الأساسي لمشروع حزب التنمية والتحديث قبل اندماجه، على مركزية الفرد وحرياته، وعلى سيادة القانون بوصفها المرجعية الناظمة للحياة العامة، مع تأكيد واضح على قيم المواطنة الجامعة ورفض الهويات الفرعية الضيقة. ويبرز في خطابه انحياز قوي لمنظومة الحريات المدنية وحقوق الإنسان، مع تصور يعتبر أن إطلاق حرية الفرد ضمن إطار القانون هو المدخل الأساسي لتحقيق التقدم الاجتماعي والسياسي.

أما من حيث التوجه الاقتصادي، فعلى الرغم من تقاطعه مع بعض مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي، إلا أن هذا الجناح يبدو أقرب إلى النمط الليبرالي، سواء في نظرته إلى السوق كأداة رئيسية لخلق الثروة وتوزيعها وتعزيز خيارات الأفراد، أو في تقليصه لدور الدولة المباشر في إدارة النشاط الاقتصادي. فهو يدعم المنافسة ويرفض الاحتكار، ويؤكد على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري والخدمات الأساسية، لكن ضمن تصور يمنح السوق دوراً أوسع ويحد من التدخل الحكومي الصارم، في مقابل رفضه أيضاً للنموذج الاشتراكي القائم على هيمنة الدولة. وبذلك، يتميز هذا الجناح بتموضعه القيمي الأقرب إلى الليبرالية المدنية، رغم بعض تقاطعاته مع مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي.

 

ثانياً: مسار الخلافات الداخلية

 

لفهم التصعيد الراهن داخل الحزب، لابد من تتبّع جذور الأزمة ضمن مسار زمني تراكمي يبدأ من مرحلة الاندماج نفسها وما تلاها، حيث تشير بعض المصادر إلى أن تيار “التنمية والتحديث” بدأ المعركة مبكراً، عندما طرح منذ البداية شرطاً غير معلن يقضي بعدم ترشح شخصيات رئيسية من الحزب الديمقراطي الاجتماعي لمنصب الأمين العام، في حين ترى مصادر أخرى في المقابل، أن لدى بعض نخب الحزب قبل الاندماج تصوراً احتوائياً/إلحاقياً، افترض أن اندماج تيار التنمية والتحديث سيقوده إلى الذوبان داخل البنية القائمة، غير أن هذا التقدير لم يتحقق، نظراً لامتلاك تيار “التنمية والتحديث” مواقفه وبرامجه وسياساته وأنماطه الخاصة، مع الإشارة إلى أن تيار التنمية والتحديث قَبِل الاندماج تحت اسم الحزب ذاته، الحزب الديمقراطي الاجتماعي، من دون المطالبة بتغييره.

وخلال مرحلة ما قبل الانتخابات النيابية لعام 2024؛ برزت تباينات واضحة ناتجة عن انقسام بين اجنحة الحزب خلال إعداد القوائم الانتخابية، تمحورت حول معايير اختيار المترشحين، إلا أنها بقيت ضمن “دائرة الاحتواء”، ولم تتبلور بعد في صورة انقسام تنظيمي صريح. ومع إعلان نتائج الانتخابات، دخل الحزب مرحلة توتر متصاعد، عندما لم تتمكن قائمة “التيار الديمقراطي” من تجاوز “عتبة الحسم”، مكتفية بنحو 23,551 صوتاً، وهو ما اعتُبر داخلياً نتيجة مخيبة. وقد أدى ذلك إلى تصاعد حالة المساءلة داخل الأطر الحزبية، حيث حمّلت قطاعات من الكوادر القيادة مسؤولية الإخفاق، ما أضعف موقعها وفتح المجال أمام إعادة توزيع موازين القوى الداخلية.

في أعقاب ذلك، انتقل الحزب إلى مرحلة التصدّع التنظيمي، التي تجلت في موجة استقالات متلاحقة، من أبرزها استقالة الأمين العام آنذاك سمر دودين، في مؤشر على تعمّق حالة عدم الاستقرار الداخلي. وبالتوازي، تصاعدت الخلافات داخل الأطر القيادية وانتقلت من مستوى التباين السياسي إلى مستوى الإجراءات التنظيمية، حيث شكّل قرار فصل القيادي في الحزب، بسام حدادين محطة مفصلية في مسار الأزمة. فقد اتُخذ القرار داخل المكتب السياسي بأغلبية 8 أصوات مقابل 6 معارضة وغياب 6 أعضاء، بما يعكس انقساماً واضحاً. وارتبط القرار بخلاف حول تقييم حدادين لترشيح آسيا ياغي -وهي من تيار التنمية والتحديث- لمنصب الأمين العام، إذ اعترض حدادين على الترشيح بدعوى عدم توفر الخبرة السياسية الكافية، في حين قُدّم قرار الفصل بوصفه استجابة لمخالفة تنظيمية.

في المقابل، قدّم حدادين رواية مغايرة، معتبراً أن مداخلاته جاءت ضمن نقاش داخلي ولم تتضمن إساءة شخصية، وأن قرار فصله لم يستوفِ شرط الأغلبية المطلقة المنصوص عليها في النظام الداخلي، فضلاً عن عدم منحه فرصة كافية للدفاع عن موقفه، وغياب مبدأ التدرج في العقوبات. كما رفض حدادين اللجوء إلى المحكمة الحزبية، مشككاً في استقلاليتها في ظل التوازنات القائمة.

في مرحلة لاحقة، تبلور هذا الاستقطاب في صورة تيارين رئيسيين: تيار “التنمية والتحديث”، والذي كان يهيمن على المكتب السياسي السابق ويضم شخصيات من بينها مصطفى الحمارنة وآسيا ياغي، وتيار “المؤسسين” الذي يستند إلى شرعية التأسيس ويضم عدة شخصيات من بينها جميل النمري. وبلغ هذا الانقسام ذروته خلال انتخابات المجلس العام والمكتب التنفيذي، التي جرت وفق نظام القائمة النسبية المفتوحة، حيث تشكّلت قائمتان تمثلان التيارين: قائمة “وحدة التيار” التي تمثل تيار المؤسسين، وقائمة “الديمقراطية الاجتماعية” التي تمثل تيار “التنمية والتحديث”، غير أن العملية شابها إشكاليات تنظيمية تتعلق بقائمة المؤسسين، تمثلت في عدم تسديد بعض الأعضاء لاشتراكاتهم المالية وعدم تطابق بعض الأسماء مع السجلات الرسمية وأن بعضهم تبين أنهم ليسوا بالحزب اصلاً وفقاً لمصادر تيار “التنمية والتحديث”، وهو ما نفته مصادر “المؤسسين”، ما أدى إلى إلغاء القائمة دون منح مهلة كافية لتصويب الأوضاع، ونتيجة لذلك، فازت قائمة تيار “التنمية والتحديث”  بالتزكية، ما انعكس مباشرة على تشكيل الهيئات القيادية.

أفضت هذه التطورات إلى انتقال الخلاف من مستوى التنافس التنظيمي إلى مستوى الطعن في شرعية الإجراءات، حيث تشكّلت سرديات متعارضة حول قانونية ما جرى ومدى الالتزام بالنظام الداخلي. ومع تآكل الثقة بفاعلية آليات تسوية النزاعات الداخلية وتزايد فقدان الثقة بين التيارات، تهيأت الظروف للجوء إلى القضاء.

 

ثالثاً: مداخل عامة لفهم الأزمة الداخلية داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي

تُظهر التجربة أن الانقسامات داخل الأحزاب المدنية لا يمكن فهمها من زاوية فكرية أو تنظيمية واحدة، بل من خلال اربعة مداخل رئيسية تتداخل فيما بينها تتمثل فيما يلي:

  1. المدخل القيمي

تشير مصادر مطلعة إلى وجود تباين في القيم والتوجهات السياساتية بين جناح المؤسسين وجناح تيار “التنمية والتحديث”. فالأول يُنظر إليه بوصفه أكثر صرامة من ناحية التأطير القيمي لنظريات اقتصاد السوق الاجتماعي ومبادئ الديمقراطية الاجتماعية، بينما يميل التيار الثاني إلى رؤية سياسية واقتصادية أكثر ليبرالية.

ولم يكن هذا التباين فكرياً فحسب، بل وأفضى ذلك إلى خلاف واختلاف على  فهم قواعد الانتساب، وآليات الاستقطاب، داخل كل من الحزبين: الحزب الديمقراطي الاجتماعي خلال مرحلة توفيق الأوضاع والتوسع في استقطاب عضويات جديدة، وحزب تيار التنمية والتحديث خلال مرحلة التأسيس وقبل اندماجه.

اعتمد حزب تيار التنمية والتحديث إلى ما يمكن أن يطلق عليه تعبير الاستقطاب الابتدائي عبر استهدف أفراد بلا خلفيات سياسية سابقة، ولا سيما من فئة الشباب، بهدف إدخالهم تدريجياً إلى البنية الفكرية للحزب، في المقابل اعتمد الحزب الديمقراطي الاجتماعي على نمط الاستقطاب الموجه لفئات اجتماعية أقرب إلى الهوية السياسية للحزب، وذلك حفاظاً على التماسك السياسي والفكري للحزب، بيد أن هذا النمط لم يكن صارماً على ما يبدو، ما مكّن كثيرين من دخول الحزب، من دون هضم طروحاته ومنطلقاته.

تُشير بعض المصادر المطلعة إلى أن جناح تيار “التنمية والتحديث” بعد اندماج الحزبين كان يمتلك قدرة تمويلية أعلى أتاحت له تمويل فعاليات وأنشطة استقطابية وهو ما أسهم لاحقاً في توسيع حضوره وتعزيز نفوذه داخل الحزب، ومع تكرار موجات الاستقالات بين الكوادر القيادية الفكرية، تراجع، بحسب المصادر نفسها، الوزن الفكري والقيمي للحزب، مما أثار حفيظة قطاع واسع من التيار الديمقراطي الاجتماعي التقليدي داخله. ومع ذلك، ترى مصادر أخرى أن جوهر الخلاف لا يعود بالدرجة الأولى إلى تباينات قيمية أو فكرية، بل إلى خلافات شخصية بين الأفراد أكثر من كونها صراعاً بين المراكز أو التيارات.

  1. مدخل الأقطاب المركزية المتدافعة

تشير المصادر إلى أن ضعف التيار المدني لا يعود بالأساس إلى اختلافات قيمية حادة، بقدر ما يرتبط بطبيعة النخب السياسية المنخرطة فيه؛ إذ يغلب على هذه النخب نمط العمل الفردي خارج الأطر التنظيمية المؤسسية، ما يجعل الأحزاب والتحالفات هشة وسريعة التشقق، مع بروز أجنحة داخلها حتى في مراحلها المبكرة.

كما تتكرر الإشارة إلى أن النخب السياسية داخل الأحزاب لا تزال أقرب إلى كونها نخباً فردية متفرقة، لا تياراً سياسياً متماسكاً يمتلك مراكز واضحة ومرجعية تنظيمية مستقرة. وتُظهر التجربة أن غياب ثقافة حزبية راسخة، إلى جانب هيمنة الشخصيات المتنفذة والمستقلين والبيروقراطيين على حساب منطق العمل الجماعي، قد أسهم في تحويل الخلافات من صراع بين برامج وسياسات إلى خلافات شخصية بين الفاعلين أنفسهم.

  1. التباين في المواقف السياسية وطرق التعبير عنها

كما تشير بعض المصادر المطلعة إلى وجود تباينات داخل الحزب في ما يتعلق بأسلوب إدارة المواقف السياسية وآليات التعبير عنها، إذ يميل أحد الاتجاهات إلى التحفّظ والتريث في إصدار البيانات واتخاذ المواقف، في حين يرى اتجاه آخر أن الحضور السياسي للحزب يقتضي قدراً أعلى من التفاعل والتعليق العلني على القضايا العامة. وتعكس هذه التباينات، في جانب منها، تنوع الخلفيات السياسية داخل الحزب، ولا سيما تلك ذات الجذور اليسارية السابقة، الأمر الذي أسهم في تشكيل أنماط مختلفة من التفكير السياسي لدى نخب الحزب.

وبحسب المصادر نفسها، لا يزال بعض أعضاء “تيار المؤسسين” متأثراً بالأدبيات والممارسات اليسارية التقليدية، ويقارن أداء الحزب بأداء أحزاب يسارية معروفة بكثافة بياناتها وتصريحاتها، وهو ما يدفعه إلى المطالبة بتعزيز الحضور الإعلامي للحزب من خلال زيادة عدد البيانات والتعليقات السياسية، باعتبار أن ذلك يعكس فاعليته وتفاعله مع الشأن العام. في المقابل، يتمسك الاتجاه الآخر برؤية مغايرة، مفادها أن الإفراط في إصدار البيانات قد يؤدي إلى إضعاف قيمتها الرمزية والسياسية، ويؤكد على أهمية الانتقائية في التعبير والحفاظ على وزن البيان الحزبي.

وتضيف مصادر أن تيار “التنمية والتحديث” يميل إلى تغليب التزام الحزب بالخط العام المتناغم مع توجهات المؤسسات الرسمية، مع ضبط إيقاع الخطاب السياسي وتجنب المزايدة، خصوصاً في القضايا الإقليمية الحساسة، كالقضية الفلسطينية على سبيل المثال. غير أن هذا الطرح لا يحظى بقبول لدى “الاتجاه الراديكالي” وفقاً للمصدر داخل الحزب، وهو ما يعكس استمرار حالة التباين الداخلي في مقاربة العمل السياسي وحدود التعبير عنه.

  1. ضعف الهياكل المؤسسية والبنى الحزبية

على الرغم من أن الحزب يمتلك بنية تنظيمية متقدمة ومفصلة في نظامه الأساسي، تشمل الأطر القيادية واللجان والمكتب السياسي والمحكمة الحزبية، ومصممة لتكريس الديمقراطية الداخلية وتنظيم العمل الحزبي، إلا أن هذه البنى لم تحقق الفاعلية المتوقعة في إدارة الخلافات أو ضبط الحوار الداخلي. فقد بقي حضورها العملي أقل من مستواها النظري، ولم تنجح بالكامل في فرض الانضباط أو توجيه المسار السياسي داخل الحزب.

يرتبط هذا الضعف بعاملين متداخلين: الاستقطاب الداخلي والفتور التنظيمي. إذ أسهمت حالة الاستقطاب القطبي في إضعاف المؤسسات التي يفترض أن تنظّم الخلاف وتحتكم إليها النزاعات، بما في ذلك المحكمة الحزبية، بينما زاد الفتور العام لدى الكوادر، بفعل تفشي الخيبة من نتائج الانتخابات 2024، إضافة إلى تأثير الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وهو ما انعكس سلباً على مستوى الحماس والمشاركة الحزبية وحتى السياسية عموماً، كما تشير المصادر.

وبهذا المعنى، نشأت علاقة عكسية بين حيوية الكوادر وفعالية المؤسسات؛ فحين يتراجع الحماس والمتابعة، تتآكل قدرة البنى على أداء دورها، ويتحول الاستقطاب والانقسام الداخلي، من ظاهرة يمكن احتواؤها إلى عامل يفاقم الهشاشة التنظيمية. ومن هنا يتضح أن امتلاك هياكل تنظيمية متقدمة لا يكفي بحد ذاته، ما لم يقترن بحماسة فاعلة لدى الكوادر وثقافة تنظيمية تحترم آليات اتخاذ القرار وتعلو بها فوق الاستقطابات الداخلية.

الخلاصات والاستنتاجات

  • الأزمة داخل الحزب لم تعد خلافاً تنظيمياً عابراً، بل أصبحت أزمة شرعية وتمثيل واتجاه سياسي.
  • الاندماج الذي كان يفترض أن يعزز قوة التيار المدني أظهر قدرة تنظيمية محدودة على دمج الهويات السياسية المختلفة داخل بنية واحدة.
  • الانقسام الحالي يكشف أن التعدد داخل الحزب لم يُدار عبر قواعد مستقرة لتقاسم النفوذ وتسوية الخلاف.
  • نتائج الانتخابات النيابية 2024، تحولت إلى عامل إعادة تشكيل للتوازنات الداخلية.
  • الاستقالات والقرارات التأديبية زادت من تعميق الانقسام بدل تهدئته.
  • وجود نظام داخلي متقدم لا يكفي وحده لضبط الحزب إذا غابت الثقة والالتزام العملي بقواعده.
  • حالة الفتور السياسي لدى كوادر الحزب ساهمت في إضعاف العمل المؤسسي مما شكل بيئة خصبة لتنامي حالة الاستقطاب.
  • التباين بين الجناحين يتجاوز التفاصيل الإجرائية إلى اختلاف في الرؤية القيمية وطريقة فهم الدور الحزبي.
  • الاتجاه إلى الاحتكام للقضاء يعكس انسداداً في قنوات التسوية الداخلية، وانعدام الثقة بالمحكمة الحزبية.

 

الخاتمة

تكشف هذه الأزمة أن الحزب الديمقراطي الاجتماعي يقف أمام لحظة مفصلية، إذ لم يعد الخلاف داخله محصوراً في التنافس على المواقع، بل بات يمسّ تعريف الحزب نفسه: هويته، ومرجعيته، وطبيعة التحالف الذي قام عليه. وفي ضوء استمرار الاستقطاب وتعثر التسوية، يبدو أن الحزب يقف أمام مسارات ثلاثة: (1) استمرار الانقسام مع بقاء الخلاف مفتوحاً… (2) لجوء أحد الجناحين إلى الاستقالة والانتساب إلى حزب مدني قائم ينسجم أكثر مع توجهاته السياسية والتنظيمية… (3) الذهاب إلى تأسيس حزب مدني جديد يعيد تجميع الكوادر المنسحبة تحت إطار مستقل. ويظل أي من هذه السيناريوهات معبّراً عن نتيجة واحدة أساسية، وهي أن الأزمة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب المدنية على إدارة التعدد الداخلي من دون أن يتحول إلى تفكك بنيوي.

 

 

 

تصاعد الخلاف داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني إلى مستوى قضائي غير مسبوق، بعدما لجأ تيار المؤسسين، الذي يقوده جميل النمري، إلى المحكمة الإدارية للطعن في شرعية المؤتمر الذي عُقد مطلع نيسان/أبريل بحجة انعقاده بشكل منفرد من قبل التيار الآخر بقيادة العين مصطفى الحمارنة. ويستند الطعن الذي قُدّم للمحكمة الإدارية إلى أكثر من خمسين مخالفة للنظام الداخلي وفقاً لتيار المؤسسين، مع المطالبة بإلغاء جميع النتائج المترتبة على المؤتمر، في مؤشر على انتقال الأزمة من خلاف تنظيمي داخل الحزب إلى نزاع قانوني مفتوح. وتأتي هذه التطورات في سياق من التراكمات السياسية والتنظيمية التي تمتد جذورها إلى مرحلة الاندماج بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وتيار التنمية والتحديث، وما ترتب على نتائج الانتخابات النيابية لعام 2024 وما أعقبها من استقالات وانقسامات، مما وضع الحزب أمام أزمة تمس وحدته الداخلية وتكشف عن تعثر واضح في آليات التقاضي الحزبي وفض النزاعات الداخلية.
يسعى هذا التقرير إلى تفكيك أسباب التصعيد داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني، من خلال تتبّع مسار الخلاف بين جناحيه، وتحليل العوامل التنظيمية والسياسية التي قادت إلى انتقال النزاع من الإطار الداخلي إلى ساحة القضاء الإداري. كما يهدف إلى فحص طبيعة المخالفات المثارة، ودلالات الطعن بشرعية المؤتمر الحزبي، وحدود فاعلية آليات إدارة الخلاف داخل الحزب.

أولاً: الأجنحة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي
أفرزت القضية المرفوعة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني انقساماً داخلياً واضحاً بين تيارين رئيسيين، لكل منهما خلفيته السياسية ورؤيته القيمية وخياره الاقتصادي، من دون أغفال أثر “الدوافع الشخصية” الكامنة وراء الخلاف، أو على الأقل، تعثر فرض حله واحتوائه. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن أزمة الحزب لم تعد تقتصر على خلاف تنظيمي عابر، بل تتكشّف عن تباين في المرجعيات والتصورات داخل الحزب نفسه، بين جناح المؤسسين الذي يستند إلى هوية الحزب التقليدية، والجناح الآخر الذي ارتبط بمسار الاندماج الذي جرى في 29 كانون الثاني/يناير 2024، حين توافق الحزب الديمقراطي الاجتماعي مع تيار التنمية والتحديث – تحت التأسيس – على الاندماج. ومن هنا، تتجه هذه القراءة إلى تعريف التيارين وتبيان أبرز خصائص كل منهما، بوصف ذلك مدخلاً لفهم طبيعة الخلاف داخل الحزب وحدود التمايز بين جناحيه، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار تبدل بعض الاصطفافات.

يمثل جناح المؤسسين في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الامتداد الأوضح لهويته الأصلية منذ تأسيسه عام 2016، بوصفه أحد الأحزاب المدنية المبكرة التي تبنت منذ البداية نهج الديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي، وقد ضم هذا الجناح في صفوفه خليطاً من اليساريين والشيوعيين السابقين، إلى جانب شخصيات ديمقراطية وليبرالية، ما جعله يتموضع ضمن يسار الوسط سياسياً وفكرياً. ويستند هذا الجناح إلى تصور قيمي يقوم على الجمع بين الحرية والعدالة باعتبارهما مبدأين متكاملين، مع التأكيد على أن الإصلاح السياسي وتوسيع المشاركة العامة وتكافؤ الفرص ركائز لبناء دولة مدنية أكثر توازناً وإنصافاً.

وعلى المستوى الاقتصادي، يتبنى جناح المؤسسين اقتصاد السوق الاجتماعي باعتباره صيغة وسطية ترفض الليبرالية الاقتصادية “المتوحشة” كما ترفض الاشتراكية حيث تهيمن الدولة على النشاط الاقتصادي، بوصفها أكبر “رب عمل”. فهو يقبل بالملكية الخاصة والمنافسة الحرة، لكنه يربطهما بضوابط حكومية تضمن العدالة الاجتماعية وتمنع الاحتكار وتحد من التضخم والبطالة، مع إعطاء أولوية لتطوير التعليم والصحة والنقل والضمان الاجتماعي. وبذلك، يتموضع هذا الجناح فكرياً بين الليبرالية والاشتراكية المركزية، ساعياً إلى تطوير نموذج يوازن ما بين كفاءة السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

في المقابل يمثل الجناح الثاني، الذي يمكن توصيفه بـ“جناح التنمية والتحديث”، الامتداد السياسي لمشروع تيار التنمية والتحديث بعد اندماجه مع الحزب، وهو تيار يتسم بطابع براغماتي هادئ في البناء والتنظيم، وبغياب التأطير الأيديولوجي الصارم مقارنة بجناح المؤسسين. فعلى المستوى القيمي، يركز هذا الجناح وفقاً للنظام الأساسي لمشروع حزب التنمية والتحديث قبل اندماجه، على مركزية الفرد وحرياته، وعلى سيادة القانون بوصفها المرجعية الناظمة للحياة العامة، مع تأكيد واضح على قيم المواطنة الجامعة ورفض الهويات الفرعية الضيقة. ويبرز في خطابه انحياز قوي لمنظومة الحريات المدنية وحقوق الإنسان، مع تصور يعتبر أن إطلاق حرية الفرد ضمن إطار القانون هو المدخل الأساسي لتحقيق التقدم الاجتماعي والسياسي.

أما من حيث التوجه الاقتصادي، فعلى الرغم من تقاطعه مع بعض مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي، إلا أن هذا الجناح يبدو أقرب إلى النمط الليبرالي، سواء في نظرته إلى السوق كأداة رئيسية لخلق الثروة وتوزيعها وتعزيز خيارات الأفراد، أو في تقليصه لدور الدولة المباشر في إدارة النشاط الاقتصادي. فهو يدعم المنافسة ويرفض الاحتكار، ويؤكد على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري والخدمات الأساسية، لكن ضمن تصور يمنح السوق دوراً أوسع ويحد من التدخل الحكومي الصارم، في مقابل رفضه أيضاً للنموذج الاشتراكي القائم على هيمنة الدولة. وبذلك، يتميز هذا الجناح بتموضعه القيمي الأقرب إلى الليبرالية المدنية، رغم بعض تقاطعاته مع مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي.

ثانياً: مسار الخلافات الداخلية
لفهم التصعيد الراهن داخل الحزب، لابد من تتبّع جذور الأزمة ضمن مسار زمني تراكمي يبدأ من مرحلة الاندماج نفسها وما تلاها، حيث تشير بعض المصادر إلى أن تيار “التنمية والتحديث” بدأ المعركة مبكراً، عندما طرح منذ البداية شرطاً غير معلن يقضي بعدم ترشح شخصيات رئيسية من الحزب الديمقراطي الاجتماعي لمنصب الأمين العام، في حين ترى مصادر أخرى في المقابل، أن لدى بعض نخب الحزب قبل الاندماج تصوراً احتوائياً/إلحاقياً، افترض أن اندماج تيار التنمية والتحديث سيقوده إلى الذوبان داخل البنية القائمة، غير أن هذا التقدير لم يتحقق، نظراً لامتلاك تيار “التنمية والتحديث” مواقفه وبرامجه وسياساته وأنماطه الخاصة، مع الإشارة إلى أن تيار التنمية والتحديث قَبِل الاندماج تحت اسم الحزب ذاته، الحزب الديمقراطي الاجتماعي، من دون المطالبة بتغييره.

وخلال مرحلة ما قبل الانتخابات النيابية لعام 2024؛ برزت تباينات واضحة ناتجة عن انقسام بين اجنحة الحزب خلال إعداد القوائم الانتخابية، تمحورت حول معايير اختيار المترشحين، إلا أنها بقيت ضمن “دائرة الاحتواء”، ولم تتبلور بعد في صورة انقسام تنظيمي صريح. ومع إعلان نتائج الانتخابات، دخل الحزب مرحلة توتر متصاعد، عندما لم تتمكن قائمة “التيار الديمقراطي” من تجاوز “عتبة الحسم”، مكتفية بنحو 23,551 صوتاً، وهو ما اعتُبر داخلياً نتيجة مخيبة. وقد أدى ذلك إلى تصاعد حالة المساءلة داخل الأطر الحزبية، حيث حمّلت قطاعات من الكوادر القيادة مسؤولية الإخفاق، ما أضعف موقعها وفتح المجال أمام إعادة توزيع موازين القوى الداخلية.

في أعقاب ذلك، انتقل الحزب إلى مرحلة التصدّع التنظيمي، التي تجلت في موجة استقالات متلاحقة، من أبرزها استقالة الأمين العام آنذاك سمر دودين، في مؤشر على تعمّق حالة عدم الاستقرار الداخلي. وبالتوازي، تصاعدت الخلافات داخل الأطر القيادية وانتقلت من مستوى التباين السياسي إلى مستوى الإجراءات التنظيمية، حيث شكّل قرار فصل القيادي في الحزب، بسام حدادين محطة مفصلية في مسار الأزمة. فقد اتُخذ القرار داخل المكتب السياسي بأغلبية 8 أصوات مقابل 6 معارضة وغياب 6 أعضاء، بما يعكس انقساماً واضحاً. وارتبط القرار بخلاف حول تقييم حدادين لترشيح آسيا ياغي -وهي من تيار التنمية والتحديث- لمنصب الأمين العام، إذ اعترض حدادين على الترشيح بدعوى عدم توفر الخبرة السياسية الكافية، في حين قُدّم قرار الفصل بوصفه استجابة لمخالفة تنظيمية.

في المقابل، قدّم حدادين رواية مغايرة، معتبراً أن مداخلاته جاءت ضمن نقاش داخلي ولم تتضمن إساءة شخصية، وأن قرار فصله لم يستوفِ شرط الأغلبية المطلقة المنصوص عليها في النظام الداخلي، فضلاً عن عدم منحه فرصة كافية للدفاع عن موقفه، وغياب مبدأ التدرج في العقوبات. كما رفض حدادين اللجوء إلى المحكمة الحزبية، مشككاً في استقلاليتها في ظل التوازنات القائمة.

في مرحلة لاحقة، تبلور هذا الاستقطاب في صورة تيارين رئيسيين: تيار “المندمجين”، والذي كان يهيمن على المكتب السياسي السابق ويضم شخصيات من بينها مصطفى الحمارنة وآسيا ياغي، وتيار “المؤسسين” الذي يستند إلى شرعية التأسيس ويضم عدة شخصيات من بينها جميل النمري. وبلغ هذا الانقسام ذروته خلال انتخابات المجلس العام والمكتب التنفيذي، التي جرت وفق نظام القائمة النسبية المفتوحة، حيث تشكّلت قائمتان تمثلان التيارين: قائمة “وحدة التيار” التي تمثل تيار المؤسسين، وقائمة “الديمقراطية الاجتماعية” التي تمثل تيار المندمجين، غير أن العملية شابها إشكاليات تنظيمية تتعلق بقائمة المؤسسين، تمثلت في عدم تسديد بعض الأعضاء لاشتراكاتهم المالية وعدم تطابق بعض الأسماء مع السجلات الرسمية وأن بعضهم تبين أنهم ليسوا بالحزب اصلاً وفقاً لمصادر “المندمجين”، وهو ما نفته مصادر “المؤسسين”، ما أدى إلى إلغاء القائمة دون منح مهلة كافية لتصويب الأوضاع، ونتيجة لذلك، فازت قائمة المندمجين بالتزكية، ما انعكس مباشرة على تشكيل الهيئات القيادية.

أفضت هذه التطورات إلى انتقال الخلاف من مستوى التنافس التنظيمي إلى مستوى الطعن في شرعية الإجراءات، حيث تشكّلت سرديات متعارضة حول قانونية ما جرى ومدى الالتزام بالنظام الداخلي. ومع تآكل الثقة بفاعلية آليات تسوية النزاعات الداخلية وتزايد فقدان الثقة بين التيارات، تهيأت الظروف للجوء إلى القضاء.

ثالثاً: مداخل عامة لفهم الأزمة الداخلية داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي
تُظهر التجربة أن الانقسامات داخل الأحزاب المدنية لا يمكن فهمها من زاوية فكرية أو تنظيمية واحدة، بل من خلال اربعة مداخل رئيسية تتداخل فيما بينها تتمثل فيما يلي:

المدخل القيمي
تشير مصادر مطلعة إلى وجود تباين في القيم والتوجهات السياساتية بين جناح المؤسسين وجناح المندمجين. فالأول يُنظر إليه بوصفه أكثر صرامة من ناحية التأطير القيمي لنظريات اقتصاد السوق الاجتماعي ومبادئ الديمقراطية الاجتماعية، بينما يميل التيار الثاني إلى رؤية سياسية واقتصادية أكثر ليبرالية.

ولم يكن هذا التباين فكرياً فحسب، بل وأفضى ذلك إلى خلاف واختلاف على  فهم قواعد الانتساب، وآليات الاستقطاب، داخل كل من الحزبين: الحزب الديمقراطي الاجتماعي خلال مرحلة توفيق الأوضاع والتوسع في استقطاب عضويات جديدة، وحزب تيار التنمية والتحديث خلال مرحلة التأسيس وقبل اندماجه.

اعتمد حزب تيار التنمية والتحديث إلى ما يمكن أن يطلق عليه تعبير الاستقطاب الابتدائي عبر استهدف أفراد بلا خلفيات سياسية سابقة، ولا سيما من فئة الشباب، بهدف إدخالهم تدريجياً إلى البنية الفكرية للحزب، في المقابل اعتمد الحزب الديمقراطي الاجتماعي على نمط الاستقطاب الموجه لفئات اجتماعية أقرب إلى الهوية السياسية للحزب، وذلك حفاظاً على التماسك السياسي والفكري للحزب، بيد أن هذا النمط لم يكن صارماً على ما يبدو، ما مكّن كثيرين من دخول الحزب، من دون هضم طروحاته ومنطلقاته.

تُشير بعض المصادر المطلعة إلى أن جناح المندمجين بعد اندماج الحزبين كان يمتلك قدرة تمويلية أعلى أتاحت له تمويل فعاليات وأنشطة استقطابية وهو ما أسهم لاحقاً في توسيع حضوره وتعزيز نفوذه داخل الحزب، ومع تكرار موجات الاستقالات بين الكوادر القيادية الفكرية، تراجع، بحسب المصادر نفسها، الوزن الفكري والقيمي للحزب، مما أثار حفيظة قطاع واسع من التيار الديمقراطي الاجتماعي التقليدي داخله. ومع ذلك، ترى مصادر أخرى أن جوهر الخلاف لا يعود بالدرجة الأولى إلى تباينات قيمية أو فكرية، بل إلى خلافات شخصية بين الأفراد أكثر من كونها صراعاً بين المراكز أو التيارات.

مدخل الأقطاب المركزية المتدافعة
تشير المصادر إلى أن ضعف التيار المدني لا يعود بالأساس إلى اختلافات قيمية حادة، بقدر ما يرتبط بطبيعة النخب السياسية المنخرطة فيه؛ إذ يغلب على هذه النخب نمط العمل الفردي خارج الأطر التنظيمية المؤسسية، ما يجعل الأحزاب والتحالفات هشة وسريعة التشقق، مع بروز أجنحة داخلها حتى في مراحلها المبكرة.

كما تتكرر الإشارة إلى أن النخب السياسية داخل الأحزاب لا تزال أقرب إلى كونها نخباً فردية متفرقة، لا تياراً سياسياً متماسكاً يمتلك مراكز واضحة ومرجعية تنظيمية مستقرة. وتُظهر التجربة أن غياب ثقافة حزبية راسخة، إلى جانب هيمنة الشخصيات المتنفذة والمستقلين والبيروقراطيين على حساب منطق العمل الجماعي، قد أسهم في تحويل الخلافات من صراع بين برامج وسياسات إلى خلافات شخصية بين الفاعلين أنفسهم.

التباين في المواقف السياسية وطرق التعبير عنها
كما تشير بعض المصادر المطلعة إلى وجود تباينات داخل الحزب في ما يتعلق بأسلوب إدارة المواقف السياسية وآليات التعبير عنها، إذ يميل أحد الاتجاهات إلى التحفّظ والتريث في إصدار البيانات واتخاذ المواقف، في حين يرى اتجاه آخر أن الحضور السياسي للحزب يقتضي قدراً أعلى من التفاعل والتعليق العلني على القضايا العامة. وتعكس هذه التباينات، في جانب منها، تنوع الخلفيات السياسية داخل الحزب، ولا سيما تلك ذات الجذور اليسارية السابقة، الأمر الذي أسهم في تشكيل أنماط مختلفة من التفكير السياسي لدى نخب الحزب.

وبحسب المصادر نفسها، لا يزال بعض أعضاء “تيار المؤسسين” متأثراً بالأدبيات والممارسات اليسارية التقليدية، ويقارن أداء الحزب بأداء أحزاب يسارية معروفة بكثافة بياناتها وتصريحاتها، وهو ما يدفعه إلى المطالبة بتعزيز الحضور الإعلامي للحزب من خلال زيادة عدد البيانات والتعليقات السياسية، باعتبار أن ذلك يعكس فاعليته وتفاعله مع الشأن العام. في المقابل، يتمسك الاتجاه الآخر برؤية مغايرة، مفادها أن الإفراط في إصدار البيانات قد يؤدي إلى إضعاف قيمتها الرمزية والسياسية، ويؤكد على أهمية الانتقائية في التعبير والحفاظ على وزن البيان الحزبي.

وتضيف مصادر أن “تيار المندمجين” يميل إلى تغليب التزام الحزب بالخط العام المتناغم مع توجهات المؤسسات الرسمية، مع ضبط إيقاع الخطاب السياسي وتجنب المزايدة، خصوصاً في القضايا الإقليمية الحساسة، كالقضية الفلسطينية على سبيل المثال. غير أن هذا الطرح لا يحظى بقبول لدى “الاتجاه الراديكالي” وفقاً للمصدر داخل الحزب، وهو ما يعكس استمرار حالة التباين الداخلي في مقاربة العمل السياسي وحدود التعبير عنه.

ضعف الهياكل المؤسسية والبنى الحزبية
على الرغم من أن الحزب يمتلك بنية تنظيمية متقدمة ومفصلة في نظامه الأساسي، تشمل الأطر القيادية واللجان والمكتب السياسي والمحكمة الحزبية، ومصممة لتكريس الديمقراطية الداخلية وتنظيم العمل الحزبي، إلا أن هذه البنى لم تحقق الفاعلية المتوقعة في إدارة الخلافات أو ضبط الحوار الداخلي. فقد بقي حضورها العملي أقل من مستواها النظري، ولم تنجح بالكامل في فرض الانضباط أو توجيه المسار السياسي داخل الحزب.
يرتبط هذا الضعف بعاملين متداخلين: الاستقطاب الداخلي والفتور التنظيمي. إذ أسهمت حالة الاستقطاب القطبي في إضعاف المؤسسات التي يفترض أن تنظّم الخلاف وتحتكم إليها النزاعات، بما في ذلك المحكمة الحزبية، بينما زاد الفتور العام لدى الكوادر، بفعل تفشي الخيبة من نتائج الانتخابات 2024، إضافة إلى تأثير الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وهو ما انعكس سلباً على مستوى الحماس والمشاركة الحزبية وحتى السياسية عموماً، كما تشير المصادر.

وبهذا المعنى، نشأت علاقة عكسية بين حيوية الكوادر وفعالية المؤسسات؛ فحين يتراجع الحماس والمتابعة، تتآكل قدرة البنى على أداء دورها، ويتحول الاستقطاب والانقسام الداخلي، من ظاهرة يمكن احتواؤها إلى عامل يفاقم الهشاشة التنظيمية. ومن هنا يتضح أن امتلاك هياكل تنظيمية متقدمة لا يكفي بحد ذاته، ما لم يقترن بحماسة فاعلة لدى الكوادر وثقافة تنظيمية تحترم آليات اتخاذ القرار وتعلو بها فوق الاستقطابات الداخلية.

الخلاصات والاستنتاجات
– الأزمة داخل الحزب لم تعد خلافاً تنظيمياً عابراً، بل أصبحت أزمة شرعية وتمثيل واتجاه سياسي.
– الاندماج الذي كان يفترض أن يعزز قوة التيار المدني أظهر قدرة تنظيمية محدودة على دمج الهويات السياسية المختلفة داخل بنية واحدة.
– الانقسام الحالي يكشف أن التعدد داخل الحزب لم يُدار عبر قواعد مستقرة لتقاسم النفوذ وتسوية الخلاف.
– نتائج الانتخابات النيابية 2024، تحولت إلى عامل إعادة تشكيل للتوازنات الداخلية.
– الاستقالات والقرارات التأديبية زادت من تعميق الانقسام بدل تهدئته.
– وجود نظام داخلي متقدم لا يكفي وحده لضبط الحزب إذا غابت الثقة والالتزام العملي بقواعده.
– حالة الفتور السياسي لدى كوادر الحزب ساهمت في إضعاف العمل المؤسسي مما شكل بيئة خصبة لتنامي حالة الاستقطاب.
– التباين بين الجناحين يتجاوز التفاصيل الإجرائية إلى اختلاف في الرؤية القيمية وطريقة فهم الدور الحزبي.
– الاتجاه إلى الاحتكام للقضاء يعكس انسداداً في قنوات التسوية الداخلية، وانعدام الثقة بالمحكمة الحزبية.

الخاتمة
تكشف هذه الأزمة أن الحزب الديمقراطي الاجتماعي يقف أمام لحظة مفصلية، إذ لم يعد الخلاف داخله محصوراً في التنافس على المواقع، بل بات يمسّ تعريف الحزب نفسه: هويته، ومرجعيته، وطبيعة التحالف الذي قام عليه. وفي ضوء استمرار الاستقطاب وتعثر التسوية، يبدو أن الحزب يقف أمام مسارات ثلاثة: (1) استمرار الانقسام مع بقاء الخلاف مفتوحاً… (2) لجوء أحد الجناحين إلى الاستقالة والانتساب إلى حزب مدني قائم ينسجم أكثر مع توجهاته السياسية والتنظيمية… (3) الذهاب إلى تأسيس حزب مدني جديد يعيد تجميع الكوادر المنسحبة تحت إطار مستقل. ويظل أي من هذه السيناريوهات معبّراً عن نتيجة واحدة أساسية، وهي أن الأزمة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب المدنية على إدارة التعدد الداخلي من دون أن يتحول إلى تفكك بنيوي.

تصاعد الخلاف داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني إلى مستوى قضائي غير مسبوق، بعدما لجأ تيار المؤسسين، الذي يقوده جميل النمري، إلى المحكمة الإدارية للطعن في شرعية المؤتمر الذي عُقد مطلع نيسان/أبريل بحجة انعقاده بشكل منفرد من قبل التيار الآخر بقيادة العين مصطفى الحمارنة. ويستند الطعن الذي قُدّم للمحكمة الإدارية إلى أكثر من خمسين مخالفة للنظام الداخلي وفقاً لتيار المؤسسين، مع المطالبة بإلغاء جميع النتائج المترتبة على المؤتمر، في مؤشر على انتقال الأزمة من خلاف تنظيمي داخل الحزب إلى نزاع قانوني مفتوح. وتأتي هذه التطورات في سياق من التراكمات السياسية والتنظيمية التي تمتد جذورها إلى مرحلة الاندماج بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وتيار التنمية والتحديث، وما ترتب على نتائج الانتخابات النيابية لعام 2024 وما أعقبها من استقالات وانقسامات، مما وضع الحزب أمام أزمة تمس وحدته الداخلية وتكشف عن تعثر واضح في آليات التقاضي الحزبي وفض النزاعات الداخلية.
يسعى هذا التقرير إلى تفكيك أسباب التصعيد داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني، من خلال تتبّع مسار الخلاف بين جناحيه، وتحليل العوامل التنظيمية والسياسية التي قادت إلى انتقال النزاع من الإطار الداخلي إلى ساحة القضاء الإداري. كما يهدف إلى فحص طبيعة المخالفات المثارة، ودلالات الطعن بشرعية المؤتمر الحزبي، وحدود فاعلية آليات إدارة الخلاف داخل الحزب.

أولاً: الأجنحة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي
أفرزت القضية المرفوعة داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني انقساماً داخلياً واضحاً بين تيارين رئيسيين، لكل منهما خلفيته السياسية ورؤيته القيمية وخياره الاقتصادي، من دون أغفال أثر “الدوافع الشخصية” الكامنة وراء الخلاف، أو على الأقل، تعثر فرض حله واحتوائه. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن أزمة الحزب لم تعد تقتصر على خلاف تنظيمي عابر، بل تتكشّف عن تباين في المرجعيات والتصورات داخل الحزب نفسه، بين جناح المؤسسين الذي يستند إلى هوية الحزب التقليدية، والجناح الآخر الذي ارتبط بمسار الاندماج الذي جرى في 29 كانون الثاني/يناير 2024، حين توافق الحزب الديمقراطي الاجتماعي مع تيار التنمية والتحديث – تحت التأسيس – على الاندماج. ومن هنا، تتجه هذه القراءة إلى تعريف التيارين وتبيان أبرز خصائص كل منهما، بوصف ذلك مدخلاً لفهم طبيعة الخلاف داخل الحزب وحدود التمايز بين جناحيه، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار تبدل بعض الاصطفافات.

يمثل جناح المؤسسين في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الامتداد الأوضح لهويته الأصلية منذ تأسيسه عام 2016، بوصفه أحد الأحزاب المدنية المبكرة التي تبنت منذ البداية نهج الديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي، وقد ضم هذا الجناح في صفوفه خليطاً من اليساريين والشيوعيين السابقين، إلى جانب شخصيات ديمقراطية وليبرالية، ما جعله يتموضع ضمن يسار الوسط سياسياً وفكرياً. ويستند هذا الجناح إلى تصور قيمي يقوم على الجمع بين الحرية والعدالة باعتبارهما مبدأين متكاملين، مع التأكيد على أن الإصلاح السياسي وتوسيع المشاركة العامة وتكافؤ الفرص ركائز لبناء دولة مدنية أكثر توازناً وإنصافاً.

وعلى المستوى الاقتصادي، يتبنى جناح المؤسسين اقتصاد السوق الاجتماعي باعتباره صيغة وسطية ترفض الليبرالية الاقتصادية “المتوحشة” كما ترفض الاشتراكية حيث تهيمن الدولة على النشاط الاقتصادي، بوصفها أكبر “رب عمل”. فهو يقبل بالملكية الخاصة والمنافسة الحرة، لكنه يربطهما بضوابط حكومية تضمن العدالة الاجتماعية وتمنع الاحتكار وتحد من التضخم والبطالة، مع إعطاء أولوية لتطوير التعليم والصحة والنقل والضمان الاجتماعي. وبذلك، يتموضع هذا الجناح فكرياً بين الليبرالية والاشتراكية المركزية، ساعياً إلى تطوير نموذج يوازن ما بين كفاءة السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

في المقابل يمثل الجناح الثاني، الذي يمكن توصيفه بـ“جناح التنمية والتحديث”، الامتداد السياسي لمشروع تيار التنمية والتحديث بعد اندماجه مع الحزب، وهو تيار يتسم بطابع براغماتي هادئ في البناء والتنظيم، وبغياب التأطير الأيديولوجي الصارم مقارنة بجناح المؤسسين. فعلى المستوى القيمي، يركز هذا الجناح وفقاً للنظام الأساسي لمشروع حزب التنمية والتحديث قبل اندماجه، على مركزية الفرد وحرياته، وعلى سيادة القانون بوصفها المرجعية الناظمة للحياة العامة، مع تأكيد واضح على قيم المواطنة الجامعة ورفض الهويات الفرعية الضيقة. ويبرز في خطابه انحياز قوي لمنظومة الحريات المدنية وحقوق الإنسان، مع تصور يعتبر أن إطلاق حرية الفرد ضمن إطار القانون هو المدخل الأساسي لتحقيق التقدم الاجتماعي والسياسي.

أما من حيث التوجه الاقتصادي، فعلى الرغم من تقاطعه مع بعض مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي، إلا أن هذا الجناح يبدو أقرب إلى النمط الليبرالي، سواء في نظرته إلى السوق كأداة رئيسية لخلق الثروة وتوزيعها وتعزيز خيارات الأفراد، أو في تقليصه لدور الدولة المباشر في إدارة النشاط الاقتصادي. فهو يدعم المنافسة ويرفض الاحتكار، ويؤكد على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري والخدمات الأساسية، لكن ضمن تصور يمنح السوق دوراً أوسع ويحد من التدخل الحكومي الصارم، في مقابل رفضه أيضاً للنموذج الاشتراكي القائم على هيمنة الدولة. وبذلك، يتميز هذا الجناح بتموضعه القيمي الأقرب إلى الليبرالية المدنية، رغم بعض تقاطعاته مع مضامين اقتصاد السوق الاجتماعي.

ثانياً: مسار الخلافات الداخلية
لفهم التصعيد الراهن داخل الحزب، لابد من تتبّع جذور الأزمة ضمن مسار زمني تراكمي يبدأ من مرحلة الاندماج نفسها وما تلاها، حيث تشير بعض المصادر إلى أن تيار “التنمية والتحديث” بدأ المعركة مبكراً، عندما طرح منذ البداية شرطاً غير معلن يقضي بعدم ترشح شخصيات رئيسية من الحزب الديمقراطي الاجتماعي لمنصب الأمين العام، في حين ترى مصادر أخرى في المقابل، أن لدى بعض نخب الحزب قبل الاندماج تصوراً احتوائياً/إلحاقياً، افترض أن اندماج تيار التنمية والتحديث سيقوده إلى الذوبان داخل البنية القائمة، غير أن هذا التقدير لم يتحقق، نظراً لامتلاك تيار “التنمية والتحديث” مواقفه وبرامجه وسياساته وأنماطه الخاصة، مع الإشارة إلى أن تيار التنمية والتحديث قَبِل الاندماج تحت اسم الحزب ذاته، الحزب الديمقراطي الاجتماعي، من دون المطالبة بتغييره.

وخلال مرحلة ما قبل الانتخابات النيابية لعام 2024؛ برزت تباينات واضحة ناتجة عن انقسام بين اجنحة الحزب خلال إعداد القوائم الانتخابية، تمحورت حول معايير اختيار المترشحين، إلا أنها بقيت ضمن “دائرة الاحتواء”، ولم تتبلور بعد في صورة انقسام تنظيمي صريح. ومع إعلان نتائج الانتخابات، دخل الحزب مرحلة توتر متصاعد، عندما لم تتمكن قائمة “التيار الديمقراطي” من تجاوز “عتبة الحسم”، مكتفية بنحو 23,551 صوتاً، وهو ما اعتُبر داخلياً نتيجة مخيبة. وقد أدى ذلك إلى تصاعد حالة المساءلة داخل الأطر الحزبية، حيث حمّلت قطاعات من الكوادر القيادة مسؤولية الإخفاق، ما أضعف موقعها وفتح المجال أمام إعادة توزيع موازين القوى الداخلية.

في أعقاب ذلك، انتقل الحزب إلى مرحلة التصدّع التنظيمي، التي تجلت في موجة استقالات متلاحقة، من أبرزها استقالة الأمين العام آنذاك سمر دودين، في مؤشر على تعمّق حالة عدم الاستقرار الداخلي. وبالتوازي، تصاعدت الخلافات داخل الأطر القيادية وانتقلت من مستوى التباين السياسي إلى مستوى الإجراءات التنظيمية، حيث شكّل قرار فصل القيادي في الحزب، بسام حدادين محطة مفصلية في مسار الأزمة. فقد اتُخذ القرار داخل المكتب السياسي بأغلبية 8 أصوات مقابل 6 معارضة وغياب 6 أعضاء، بما يعكس انقساماً واضحاً. وارتبط القرار بخلاف حول تقييم حدادين لترشيح آسيا ياغي -وهي من تيار التنمية والتحديث- لمنصب الأمين العام، إذ اعترض حدادين على الترشيح بدعوى عدم توفر الخبرة السياسية الكافية، في حين قُدّم قرار الفصل بوصفه استجابة لمخالفة تنظيمية.

في المقابل، قدّم حدادين رواية مغايرة، معتبراً أن مداخلاته جاءت ضمن نقاش داخلي ولم تتضمن إساءة شخصية، وأن قرار فصله لم يستوفِ شرط الأغلبية المطلقة المنصوص عليها في النظام الداخلي، فضلاً عن عدم منحه فرصة كافية للدفاع عن موقفه، وغياب مبدأ التدرج في العقوبات. كما رفض حدادين اللجوء إلى المحكمة الحزبية، مشككاً في استقلاليتها في ظل التوازنات القائمة.

في مرحلة لاحقة، تبلور هذا الاستقطاب في صورة تيارين رئيسيين: تيار “المندمجين”، والذي كان يهيمن على المكتب السياسي السابق ويضم شخصيات من بينها مصطفى الحمارنة وآسيا ياغي، وتيار “المؤسسين” الذي يستند إلى شرعية التأسيس ويضم عدة شخصيات من بينها جميل النمري. وبلغ هذا الانقسام ذروته خلال انتخابات المجلس العام والمكتب التنفيذي، التي جرت وفق نظام القائمة النسبية المفتوحة، حيث تشكّلت قائمتان تمثلان التيارين: قائمة “وحدة التيار” التي تمثل تيار المؤسسين، وقائمة “الديمقراطية الاجتماعية” التي تمثل تيار المندمجين، غير أن العملية شابها إشكاليات تنظيمية تتعلق بقائمة المؤسسين، تمثلت في عدم تسديد بعض الأعضاء لاشتراكاتهم المالية وعدم تطابق بعض الأسماء مع السجلات الرسمية وأن بعضهم تبين أنهم ليسوا بالحزب اصلاً وفقاً لمصادر “المندمجين”، وهو ما نفته مصادر “المؤسسين”، ما أدى إلى إلغاء القائمة دون منح مهلة كافية لتصويب الأوضاع، ونتيجة لذلك، فازت قائمة المندمجين بالتزكية، ما انعكس مباشرة على تشكيل الهيئات القيادية.

أفضت هذه التطورات إلى انتقال الخلاف من مستوى التنافس التنظيمي إلى مستوى الطعن في شرعية الإجراءات، حيث تشكّلت سرديات متعارضة حول قانونية ما جرى ومدى الالتزام بالنظام الداخلي. ومع تآكل الثقة بفاعلية آليات تسوية النزاعات الداخلية وتزايد فقدان الثقة بين التيارات، تهيأت الظروف للجوء إلى القضاء.

ثالثاً: مداخل عامة لفهم الأزمة الداخلية داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي
تُظهر التجربة أن الانقسامات داخل الأحزاب المدنية لا يمكن فهمها من زاوية فكرية أو تنظيمية واحدة، بل من خلال اربعة مداخل رئيسية تتداخل فيما بينها تتمثل فيما يلي:

المدخل القيمي
تشير مصادر مطلعة إلى وجود تباين في القيم والتوجهات السياساتية بين جناح المؤسسين وجناح المندمجين. فالأول يُنظر إليه بوصفه أكثر صرامة من ناحية التأطير القيمي لنظريات اقتصاد السوق الاجتماعي ومبادئ الديمقراطية الاجتماعية، بينما يميل التيار الثاني إلى رؤية سياسية واقتصادية أكثر ليبرالية.

ولم يكن هذا التباين فكرياً فحسب، بل وأفضى ذلك إلى خلاف واختلاف على  فهم قواعد الانتساب، وآليات الاستقطاب، داخل كل من الحزبين: الحزب الديمقراطي الاجتماعي خلال مرحلة توفيق الأوضاع والتوسع في استقطاب عضويات جديدة، وحزب تيار التنمية والتحديث خلال مرحلة التأسيس وقبل اندماجه.

اعتمد حزب تيار التنمية والتحديث إلى ما يمكن أن يطلق عليه تعبير الاستقطاب الابتدائي عبر استهدف أفراد بلا خلفيات سياسية سابقة، ولا سيما من فئة الشباب، بهدف إدخالهم تدريجياً إلى البنية الفكرية للحزب، في المقابل اعتمد الحزب الديمقراطي الاجتماعي على نمط الاستقطاب الموجه لفئات اجتماعية أقرب إلى الهوية السياسية للحزب، وذلك حفاظاً على التماسك السياسي والفكري للحزب، بيد أن هذا النمط لم يكن صارماً على ما يبدو، ما مكّن كثيرين من دخول الحزب، من دون هضم طروحاته ومنطلقاته.

تُشير بعض المصادر المطلعة إلى أن جناح المندمجين بعد اندماج الحزبين كان يمتلك قدرة تمويلية أعلى أتاحت له تمويل فعاليات وأنشطة استقطابية وهو ما أسهم لاحقاً في توسيع حضوره وتعزيز نفوذه داخل الحزب، ومع تكرار موجات الاستقالات بين الكوادر القيادية الفكرية، تراجع، بحسب المصادر نفسها، الوزن الفكري والقيمي للحزب، مما أثار حفيظة قطاع واسع من التيار الديمقراطي الاجتماعي التقليدي داخله. ومع ذلك، ترى مصادر أخرى أن جوهر الخلاف لا يعود بالدرجة الأولى إلى تباينات قيمية أو فكرية، بل إلى خلافات شخصية بين الأفراد أكثر من كونها صراعاً بين المراكز أو التيارات.

مدخل الأقطاب المركزية المتدافعة
تشير المصادر إلى أن ضعف التيار المدني لا يعود بالأساس إلى اختلافات قيمية حادة، بقدر ما يرتبط بطبيعة النخب السياسية المنخرطة فيه؛ إذ يغلب على هذه النخب نمط العمل الفردي خارج الأطر التنظيمية المؤسسية، ما يجعل الأحزاب والتحالفات هشة وسريعة التشقق، مع بروز أجنحة داخلها حتى في مراحلها المبكرة.

كما تتكرر الإشارة إلى أن النخب السياسية داخل الأحزاب لا تزال أقرب إلى كونها نخباً فردية متفرقة، لا تياراً سياسياً متماسكاً يمتلك مراكز واضحة ومرجعية تنظيمية مستقرة. وتُظهر التجربة أن غياب ثقافة حزبية راسخة، إلى جانب هيمنة الشخصيات المتنفذة والمستقلين والبيروقراطيين على حساب منطق العمل الجماعي، قد أسهم في تحويل الخلافات من صراع بين برامج وسياسات إلى خلافات شخصية بين الفاعلين أنفسهم.

التباين في المواقف السياسية وطرق التعبير عنها
كما تشير بعض المصادر المطلعة إلى وجود تباينات داخل الحزب في ما يتعلق بأسلوب إدارة المواقف السياسية وآليات التعبير عنها، إذ يميل أحد الاتجاهات إلى التحفّظ والتريث في إصدار البيانات واتخاذ المواقف، في حين يرى اتجاه آخر أن الحضور السياسي للحزب يقتضي قدراً أعلى من التفاعل والتعليق العلني على القضايا العامة. وتعكس هذه التباينات، في جانب منها، تنوع الخلفيات السياسية داخل الحزب، ولا سيما تلك ذات الجذور اليسارية السابقة، الأمر الذي أسهم في تشكيل أنماط مختلفة من التفكير السياسي لدى نخب الحزب.

وبحسب المصادر نفسها، لا يزال بعض أعضاء “تيار المؤسسين” متأثراً بالأدبيات والممارسات اليسارية التقليدية، ويقارن أداء الحزب بأداء أحزاب يسارية معروفة بكثافة بياناتها وتصريحاتها، وهو ما يدفعه إلى المطالبة بتعزيز الحضور الإعلامي للحزب من خلال زيادة عدد البيانات والتعليقات السياسية، باعتبار أن ذلك يعكس فاعليته وتفاعله مع الشأن العام. في المقابل، يتمسك الاتجاه الآخر برؤية مغايرة، مفادها أن الإفراط في إصدار البيانات قد يؤدي إلى إضعاف قيمتها الرمزية والسياسية، ويؤكد على أهمية الانتقائية في التعبير والحفاظ على وزن البيان الحزبي.

وتضيف مصادر أن “تيار المندمجين” يميل إلى تغليب التزام الحزب بالخط العام المتناغم مع توجهات المؤسسات الرسمية، مع ضبط إيقاع الخطاب السياسي وتجنب المزايدة، خصوصاً في القضايا الإقليمية الحساسة، كالقضية الفلسطينية على سبيل المثال. غير أن هذا الطرح لا يحظى بقبول لدى “الاتجاه الراديكالي” وفقاً للمصدر داخل الحزب، وهو ما يعكس استمرار حالة التباين الداخلي في مقاربة العمل السياسي وحدود التعبير عنه.

ضعف الهياكل المؤسسية والبنى الحزبية
على الرغم من أن الحزب يمتلك بنية تنظيمية متقدمة ومفصلة في نظامه الأساسي، تشمل الأطر القيادية واللجان والمكتب السياسي والمحكمة الحزبية، ومصممة لتكريس الديمقراطية الداخلية وتنظيم العمل الحزبي، إلا أن هذه البنى لم تحقق الفاعلية المتوقعة في إدارة الخلافات أو ضبط الحوار الداخلي. فقد بقي حضورها العملي أقل من مستواها النظري، ولم تنجح بالكامل في فرض الانضباط أو توجيه المسار السياسي داخل الحزب.
يرتبط هذا الضعف بعاملين متداخلين: الاستقطاب الداخلي والفتور التنظيمي. إذ أسهمت حالة الاستقطاب القطبي في إضعاف المؤسسات التي يفترض أن تنظّم الخلاف وتحتكم إليها النزاعات، بما في ذلك المحكمة الحزبية، بينما زاد الفتور العام لدى الكوادر، بفعل تفشي الخيبة من نتائج الانتخابات 2024، إضافة إلى تأثير الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وهو ما انعكس سلباً على مستوى الحماس والمشاركة الحزبية وحتى السياسية عموماً، كما تشير المصادر.

وبهذا المعنى، نشأت علاقة عكسية بين حيوية الكوادر وفعالية المؤسسات؛ فحين يتراجع الحماس والمتابعة، تتآكل قدرة البنى على أداء دورها، ويتحول الاستقطاب والانقسام الداخلي، من ظاهرة يمكن احتواؤها إلى عامل يفاقم الهشاشة التنظيمية. ومن هنا يتضح أن امتلاك هياكل تنظيمية متقدمة لا يكفي بحد ذاته، ما لم يقترن بحماسة فاعلة لدى الكوادر وثقافة تنظيمية تحترم آليات اتخاذ القرار وتعلو بها فوق الاستقطابات الداخلية.

الخلاصات والاستنتاجات
– الأزمة داخل الحزب لم تعد خلافاً تنظيمياً عابراً، بل أصبحت أزمة شرعية وتمثيل واتجاه سياسي.
– الاندماج الذي كان يفترض أن يعزز قوة التيار المدني أظهر قدرة تنظيمية محدودة على دمج الهويات السياسية المختلفة داخل بنية واحدة.
– الانقسام الحالي يكشف أن التعدد داخل الحزب لم يُدار عبر قواعد مستقرة لتقاسم النفوذ وتسوية الخلاف.
– نتائج الانتخابات النيابية 2024، تحولت إلى عامل إعادة تشكيل للتوازنات الداخلية.
– الاستقالات والقرارات التأديبية زادت من تعميق الانقسام بدل تهدئته.
– وجود نظام داخلي متقدم لا يكفي وحده لضبط الحزب إذا غابت الثقة والالتزام العملي بقواعده.
– حالة الفتور السياسي لدى كوادر الحزب ساهمت في إضعاف العمل المؤسسي مما شكل بيئة خصبة لتنامي حالة الاستقطاب.
– التباين بين الجناحين يتجاوز التفاصيل الإجرائية إلى اختلاف في الرؤية القيمية وطريقة فهم الدور الحزبي.
– الاتجاه إلى الاحتكام للقضاء يعكس انسداداً في قنوات التسوية الداخلية، وانعدام الثقة بالمحكمة الحزبية.

الخاتمة
تكشف هذه الأزمة أن الحزب الديمقراطي الاجتماعي يقف أمام لحظة مفصلية، إذ لم يعد الخلاف داخله محصوراً في التنافس على المواقع، بل بات يمسّ تعريف الحزب نفسه: هويته، ومرجعيته، وطبيعة التحالف الذي قام عليه. وفي ضوء استمرار الاستقطاب وتعثر التسوية، يبدو أن الحزب يقف أمام مسارات ثلاثة: (1) استمرار الانقسام مع بقاء الخلاف مفتوحاً… (2) لجوء أحد الجناحين إلى الاستقالة والانتساب إلى حزب مدني قائم ينسجم أكثر مع توجهاته السياسية والتنظيمية… (3) الذهاب إلى تأسيس حزب مدني جديد يعيد تجميع الكوادر المنسحبة تحت إطار مستقل. ويظل أي من هذه السيناريوهات معبّراً عن نتيجة واحدة أساسية، وهي أن الأزمة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الأحزاب المدنية على إدارة التعدد الداخلي من دون أن يتحول إلى تفكك بنيوي.