
شهد الحزب المدني الديمقراطي واحدة من أكثر محطاته التنظيمية حساسية بعد إعلان استقالة ما يقارب 600 عضو، وهو رقم أثار نقاشا واسعا حول قدرة الحزب على الحفاظ على الحد القانوني اللازم لاستمرار ترخيصه، لا سيما أن عدد أعضائه المسجلين لا يتجاوز 1300 عضو. وتزداد أهمية هذه التطورات بالنظر إلى أنها تأتي امتداداً لمسار من التصدعات التنظيمية التي بدأت بوادرها عقب الانتخابات النيابية لعام 2024، حين خاض الحزب الاستحقاق ضمن تحالف التيار الديمقراطي مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وهو التحالف الذي لم ينجح في تجاوز نسبة الحسم ولم يحصد سوى 23,551 صوتاً. وقد عُد هذا الإخفاق الانتخابي نقطة تحوّل أطلقت موجة من الاستقالات والانقسامات داخل الحزبين، إلا أن تأثيرها كان أشد وضوحاً على الحزب المدني.
ورغم أن بعض الأطراف روّجت لأرقام الاستقالات بوصفها مؤشراً على انهيار واسع، فإن الحزب قلّل من دقتها مؤكداً أن القوائم تضم أسماء مفصولة أو غير مستكملة لشروط العضوية، إضافة إلى أخرى تقيم خارج البلاد. ومع ذلك، تبقى الأسئلة قائمة حول الأسباب العميقة للأزمة، ما يستدعي تحليلاً معمقاً للعوامل التنظيمية التي أسهمت في تصاعد حالة التوتر والانقسام داخل الحزب.
أولاً: الإطار القانوني والتنظيمي لأزمة الاستقالات
أثارت موجة الاستقالات الجماعية تداعيات مباشرة على استقرار الحزب وقدرته على المحافظة على شروط الترخيص، خصوصا أن الرقم المتداول، إن كان دقيقاً، يضعه على مقربة من الحد الأدنى المنصوص عليه في قانون الأحزاب لعام 2022 والذي يشترط ألا يقل عدد الأعضاء عن 1000 عضو.
إلا أن التدقيق في القوائم المنشورة يكشف صورة أكثر تعقيداً؛ إذ تتضمن القوائم أسماءً سبق استقالتها في مراحل سابقة، وأخرى مفصولة بقرارات من المحكمة الحزبية، إضافة إلى أعضاء لم يستكملوا إجراءات العضوية. وتشير الاتصالات مع عدد من المستقيلين إلى أن جزءاً منهم كان قد استقال شفهياً قبل أشهر دون توثيق رسمي، وأن توثيق الاستقالات بشكل جماعي أسهم في تضخيم الرقم المتداول. ووفق تقدير الأمين العام المهندس عدنان السواعير، فإن العدد الحقيقي لا يتجاوز 200 عضو.
من الناحية القانونية، لا تعترف الهيئة المستقلة للانتخاب بـ«الاستقالة الجماعية»، إذ تُعد الاستقالة حقاً فردياً يجب أن يقدم مباشرة للحزب، ليقوم الأخير بمخاطبة سجل الأحزاب رسمياً. وفي حال فقدان الحزب لنصابه القانوني، توجه الهيئة إشعاراً يلزمه بتصويب أوضاعه خلال 60 يوماً، قابلة للتمديد 30 يوماً إضافية بموافقة مجلس المفوضين. كما يفرض قانون الأحزاب لعام 2022 شروطاً تنظيمية إضافية لضمان استمرار الترخيص، من أبرزها:
– ألا يقل عدد الأعضاء عن 1000 موزعين على ست محافظات على الأقل (30 عضواً من كل محافظة).
– تمثيل 20% للشباب و20% للنساء ضمن العضوية المؤسسة.
– خضوع الحزب لرقابة دورية من الهيئة على التزامه بهذه النسب والمعايير.
وعليه، ورغم الجدل الدائر حول الرقم الحقيقي للاستقالات، تبدو الأزمة مؤشراً واضحاً على الضغط التنظيمي الذي يواجهه الحزب، وإن كانت تقديرات القيادة تفيد باستمرار قدرته القانونية على الاحتفاظ بترخيصه.
ثانياً: العوامل التنظيمية والإجرائية التي أوردها المستقيلون
طرح المستقيلون مجموعة واسعة من الملاحظات التنظيمية يمكن تلخيصها في أربعة محاور رئيسية:
– تراجع التشاركية وضعف دور المجلس المركزي
اعتبر المستقيلون أن المجلس المركزي لم يمارس الدور الرقابي والتشريعي الذي ينص عليه النظام الأساسي، وأن القرارات باتت تتركز ضمن نطاق ضيق من القيادة، ما خلق شعوراً بتراجع المشاركة الفعلية.
– غياب العدالة الداخلية وإقصاء بعض القيادات
تحدث بعض المستقيلين عن إقصاء ممنهج لعدد من الشخصيات المؤثرة، واستبعادها من الانتخابات الداخلية أو من المشاركة في الفعاليات التنظيمية.
– اعتراضات على تعديلات المؤتمر العام غير العادي (حزيران 2025)
رأى المستقيلون أن التعديلات طُرحت وأُقرت دون المرور بالنقاش المؤسسي الكافي، ما اعتُبر تجاوزاً للهيئة العامة والمجلس المركزي.
– النزاعات الشخصية والتنافس على المواقع
أكد المستقيلون أن الصراعات الشخصية أخذت بالاتساع داخل الهياكل القيادية، وأنها أثرت على روح الجماعية وأضعفت قدرة الحزب على إدارة الخلافات بصورة مؤسسية.
ثالثاً: موقف الحزب من الاستقالات وتفسيره للأزمة
قدم الحزب رواية مغايرة للرقم المتداول حول الاستقالات، مؤكداً أن القوائم المتداولة غير دقيقة. ووفق بيانه، تتضمن القوائم أسماء مفصولة، وأخرى سبق استقالتها، إضافة إلى أعضاء لم يستكملوا شروط العضوية، وبعض الأسماء التي نفت تقديمها أي استقالة.
وفي معرض الرد على اتهامات ضعف المؤسسية، يشير الحزب إلى أن المؤتمر العام غير العادي – الذي عقد تحت إشراف الهيئة – أقر تعديلات تنظيمية جوهرية، من بينها:
– توسيع المكتب التنفيذي ليضم تمثيلاً للنساء والشباب وذوي الإعاقة.
– تعزيز صلاحيات المجلس المركزي كهيئة تشريعية ورقابية.
– تفعيل مشاركة الفروع واللجان القطاعية وإعادة توزيع الصلاحيات بما يحد من التمركز الفردي للقرار.
ويرى الحزب أن جوهر الأزمة يتمثل في خلاف داخلي حول الاتجاهات الفكرية، بين تيار يميل نحو مقاربة اجتماعية ديمقراطية إصلاحية، وآخر ذي توجهات ليبرالية. ويؤكد السواعير أن نتائج التصويت في المؤتمر العام رجحت أحد الاتجاهين بفارق كبير، ما لم تتقبله المجموعة الخاسرة.
وتشير مصادر داخل الحزب إلى أن التطورات الأخيرة أعادت تشكيل هوية تنظيمية أكثر تماسكاً، وأن الحزب بدأ يتلقى طلبات انتساب جديدة، بعضها لشخصيات سياسية معروفة.
رابعاً: جذور الأزمة التنظيمية
تكشف مراجعة مسار الحزب أن الأزمة الحالية ليست طارئة، بل تمثل امتداداً لانقسامات مستمرة منذ لحظة التأسيس، ويمكن تلخيص جذورها في ثلاثة مستويات:
1. الغموض المفاهيمي لهوية “المدنية”
تعاني الأحزاب المدنية في الأردن من غياب تعريف جامع لمفهوم “المدنية”، ما يؤدي إلى اختلافات جوهرية حول أولويات البرامج السياسية، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا الحريات الفردية والعدالة الاجتماعية.
2. تعدد المرجعيات الفكرية داخل الحزب
تشكل داخل الحزب تياران رئيسيان: تيار وسطي إصلاحي بقيادة عدنان السواعير. تيار ليبرالي مرتبط تاريخياً بقائمة “معاً” بقيادة قيس زيادين، وقد اتسعت الهوة بين التيارين تدريجياً، ما جعل الحزب عاجزاً عن بلورة هوية موحدة.
3. أزمة الانتساب والاستقطاب
وفق تصريحات قيادات مستقيلة، لم تُطبق معايير العضوية بصرامة، ما سمح بانضمام أعضاء غير منسجمين مع الهوية الفكرية للحزب، وهو ما انعكس لاحقاً في الخلافات التنظيمية.
خامساً: محطة الانتخابات النيابية 2024 وما تلاها
برزت أولى ملامح الأزمة الحالية عقب الانتخابات النيابية، حين اعتبر مستقيليون أن إخفاق الحزب يعود إلى خلل في التنسيق الداخلي، ودعم بعض القيادات لقوائم منافسة، وضعف المشاركة في الحملة الانتخابية. وتصاعدت الأزمة بإحالة قيس زيادين إلى المحكمة الحزبية تمهيداً لفصله في آذار 2025، بتهم تتعلق بالتصرف خارج الأطر المؤسسية والتفاوض دون تفويض. وقد أثارت الخطوة موجة استقالات شملت رئيس المجلس المركزي المهندس سمير عويس وشخصيات أخرى، معتبرين القرار غير منسجم مع التقاليد المؤسسية.
سادساً: تعديل النظام الأساسي وزيادة عدد المكتب التنفيذي
أدى رفع عدد أعضاء المكتب التنفيذي من 13 إلى 21 إلى إعادة تشكيل توازنات القوة داخل الحزب، إذ حصل التيار الإصلاحي على 18 مقعداً، مقابل 3 مقاعد لـ“تيار معاً” استقال اثنان منها لاحقاً. كما اعتُبرت التعديلات المتعلقة بمحكمة الحزب مساساً باستقلالية المجلس المركزي، ما شكل أحد محاور الخلاف الرئيسية، وفقاً للدكتور رامز مدانات عضو مكتب تنفيذي سابقاً ( مستقبل).
السيناريوهات المتوقعة:
تكشف الأزمة أنها ليست مجرد خلاف تنظيمي، بل تعبير عن صراع أعمق حول هوية الحزب واتجاهه السياسي. وفي ضوء التطورات، تبرز سيناريوهان محتملان:
1. مسار الاحتواء وإعادة البناء
قد ينجح الحزب في ترميم صفوفه وإعادة تعريف هويته ضمن إطار ديمقراطي اجتماعي أكثر انسجاماً مع الخصوصية الأردنية، بما يتيح له الحفاظ على وحدته.
2. مسار الانقسام وتشكيل إطار حزبي جديد
قد يتجه جزء من المستقيلين نحو تأسيس حزب جديد يعكس رؤيتهم الليبرالية لمفهوم المدنية، ما قد يعيد رسم خريطة التيار المدني بين اتجاهين رئيسيين:
– مدني اجتماعي إصلاحي محافظ نسبياً
– مدني ليبرالي أكثر تحرراً وانفتاحاً